مايو…بين خطابٍ منتظر ودوامة التكرار
مع اقتراب الرابع من مايو، يعود السؤال نفسه بإلحاح: ماذا سيحدث؟ هل سنشهد ظهور عيدروس الزبيدي بخطاب مختلف يحمل تحوّلًا حقيقيًا في مسار القضية الجنوبية، أم أننا سنبقى ندور في الحلقة ذاتها، حيث الصراخ يتقدّم على الفعل، والتخوين يحلّ محل التفكير، وتمتلئ عدن بشعاراتٍ مكررة استهلكها الناس ولم تعد تقنع أحدًا؟
على مدى عشر سنوات، لم تُترجم هذه الشعارات إلى إنجازٍ سياسي أو مؤسسي ملموس. بل على العكس، تراجعت القضية في جوهرها، وفقدت أحد أهم عناصر قوتها: عدالتها الأخلاقية. هذه العدالة التي تلطخت بملفاتٍ ثقيلة، من انتهاكاتٍ واعتقالاتٍ وسجونٍ سرية، وصولًا إلى تصفية الخصوم بالاغتيالات. ومع كل ذلك، يُطرح السؤال بجدية: هل سنسمع هذه المرة خطابًا مختلفًا، أم سيُعاد إنتاج لغة العداء والقطيعة مع كل الأطراف؟
المشهد لا يقف عند الداخل فقط، بل يمتد إلى طبيعة التموضع الإقليمي. فالتناقض في الخطاب، بين القطيعة مع أطرافٍ إقليمية ورفع شعارات تموضعٍ حاد، يعكس ارتباكًا في الرؤية الاستراتيجية، ويضع القضية في مساراتٍ متناقضة تفقدها الاتزان والوضوح. وهو ما يثير مخاوف حقيقية من أن يتحول ٤ مايو إلى مجرد رد فعلٍ متسرّع، لا يستند إلى حساباتٍ سياسية عقلانية، بل يكرّس مزيدًا من التعقيد بدل أن يفتح أفقًا للحل.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التعاطي يعمّق أزمة الدولة الغائبة. فبدلًا من أن يكون هناك مشروعٌ لبناء مؤسسات، جرى استنزاف عقدٍ كامل في الفوضى، على أمل بناء كيانٍ جديد، دون امتلاك أدوات البناء أو رؤية واضحة. إنها المفارقة التي لازمت الخطاب منذ الاستقلال: شعاراتٌ ثورية مرتفعة، مقابل عجزٍ عن الإصلاح وبناء دولةٍ تلبي تطلعات الناس.
اليوم، يبدو أن الرابع من مايو يقف على مفترق طرق: إما أن يكون لحظة مراجعة حقيقية تعيد الاعتبار للعقل السياسي، وتؤسس لخطابٍ جديد قائم على الشراكة والواقعية وبناء المؤسسات، أو أن يتحول إلى امتدادٍ لسلسلة من الإخفاقات، وتجديدٍ للخيبة، وتغطيةٍ على نكبةٍ مستمرة.
في النهاية، القضية ليست في يومٍ بعينه، بل في ما إذا كان هناك استعدادٌ فعلي لمغادرة منطق الشعارات نحو منطق الدولة. دون ذلك، سيبقى كل تاريخٍ جديد مجرد تكرارٍ مؤلم لذاكرةٍ لم تتعلم من أخطائها، وسيظل المواطن هو الضحية الأولى في معادلةٍ لم تُحسن قراءة نفسها.
The post مايو…بين خطابٍ منتظر ودوامة التكرار appeared first on يمن مونيتور.




