ماذا تريد واشنطن من طهران؟.. بين ما بعد النووي وإعادة تعريف الدور الإقليمي
تابع المقالة ماذا تريد واشنطن من طهران؟.. بين ما بعد النووي وإعادة تعريف الدور الإقليمي على الحل نت.
قبل ساعات من انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومع تصاعد المؤشرات على احتمال ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية ضد إيران، يبرز سؤال منطقي وجوهري: ماذا تريد الولايات المتحدة فعلياً من طهران؟ سواء تحقق ذلك عبر اتفاق تفاوضي سياسي أو من خلال ضغط العمليات العسكرية.
وهل تقتصر الأهداف على ضبط القدرات العسكرية الإيرانية داخل إطار محدد ومنضبط بقيود معينة، أم أن المسألة تتجاوز ذلك إلى شلّ قدرة إيران على الحركة خارج حدودها، أي تقويض ما يُعرف بأذرعها العقائدية وتقليص مبدأ “تصدير الثورة” الذي شكّل لعقود أحد أعمدة سياستها الإقليمية؟
تصعيد محسوب أم ضغط نحو اتفاق؟
إذ إن التصعيد المحتدم، والذي بلغ مستويات استنزافية خصوصاً بعد الاستهداف الذي طال جسر خرج في غرب طهران وهو ما يمثل نقطة تحول في مسار الحرب إثر ضرب منشأة مدنية وضمن البنية التحتية، قد لا يهدف بالكلية إلى حسم عسكري مباشر بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ضبط توازنات القوة في الشرق الأوسط عبر إخضاع الدور الإيراني لا تفكيكه. فواشنطن تتحرك ضمن مقاربة تضغط لإعادة إنتاج نظام أقل قدرة على التموضع الإقليمي وصناعة توترات أو اهتزازات في مساحات حيوية واستراتيجية لمصالح الولايات المتحدة والغرب والأطراف المختلفة كما هو الحال لدى الخليج وأسواق الطاقة العالمية، بينما تراهن طهران على إطالة أمد المواجهة وكسب الوقت كما العادة لتحويل الضغط إلى كلفة سياسية واستراتيجية على خصومها.

وبين هذين المسارين، يتراجع وزن الحسم الميداني لصالح معادلة أكثر تعقيداً، يتداخل فيها عامل الوقت مع حسابات الطاقة والجغرافيا السياسية، بما يجعل مآلات الصراع رهينة بقدرة الأطراف على إدارة النفوذ لا حسم المعركة.
ربما تبدو الفرضية الأخيرة أكثر منطقية في ظل حاجة واشنطن إلى استقرار جغرافيا الشرق الأوسط ضمن الحزام الاستراتيجي للمحيط العربي، وهو الحزام الذي يبدو أنه يُعاد تشكيل تموضعه عبر ثلاث قوى رئيسية: تركيا وإيران وإسرائيل.
ولتحقيق هذا التوازن، قد لا يكون المطلوب إسقاط إيران أو تفكيكها بقدر ما هو إعادة تعريف دورها، بحيث تتحول إلى دولة متوسطة القوة، منزوعة الزخم الإقليمي وفاقدة للأذرع الطويلة المعادية التي مكّنتها لسنوات من التأثير في معادلات المنطقة. وفي هذه النقطة تحديداً تتبلور السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن تكون عليه إيران في مرحلة ما بعد الحرب.
ولذلك، قال الرئيس ترامب في تصريحات لشبكة “إيه بي سي”، إن بلاده قد تتجه إلى تصعيد واسع إذا فشلت إيران في التوصل إلى اتفاق، مضيفاً: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق فسنقوم بتفجير البلاد بأكملها”. وأشار ترامب إلى أنه يتوقع أن تتوصل الحكومة الإيرانية إلى اتفاق خلال “أيام وليس أسابيع”.
وعند سؤاله عما إذا كانت الأهداف قد تشمل البنية التحتية المدنية، قال إنه لا يريد التحدث عن ذلك، كما لم يستبعد إرسال قوات برية إلى إيران، موضحاً: “لا أعتقد أن ذلك ضروري، لكنني لا أستبعد أي شيء”. وفيما يتعلق بإمكانية تمديد المهلة الممنوحة لطهران لإبرام اتفاق سلام، قال ترامب إن لديهم “متسعاً من الوقت لإبرام اتفاق”، مضيفاً: “إنهم لا يريدون إبرام صفقة؛ لقد ضاعت بلادهم بأكملها”.
في المقابل ، حذّر رئيس البرلمان في إيران، محمد باقر قاليباف، الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تداعيات مواقفه تجاه طهران، معتبراً أن ما وصفه بـ”التحركات المتهورة” قد تجرّ الولايات المتحدة إلى “جحيم حقيقي لكل عائلة”، على حد تعبيره.
وقال قاليباف في منشور عبر منصة “إكس” إن “المنطقة بأكملها قد تشتعل بسبب إصرار واشنطن على اتباع أوامر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو”. وأكد رئيس البرلمان الإيراني أن الحل الحقيقي الوحيد يتمثل في احترام حقوق الشعب الإيراني وإنهاء ما وصفه بـ”اللعبة الخطيرة”.
تصعيد ميداني وجهود الوساطة الدبلوماسية
على الجانب الدبلوماسي وجهود الوساطة يحاول وزراء خارجية باكستان ومصر وتركيا التوصل إلى حزمة من إجراءات بناء الثقة قد تقود إلى تمديد الإنذار الذي وجهه دونالد ترامب إلى إيران، في مسعى لتقريب الأطراف من عقد اجتماع محتمل، وذلك وفق ما نقله موقع “أكسيوس” عن مصدرين مطلعين الأحد الفائت.
وبحسب التقرير، أجرى الوزراء الثلاثة اتصالات هاتفية السبت الماضي مع كل من ستيف ويتكوف وعباس عراقجي لمناقشة القضية، غير أن تلك الاتصالات لم تسفر عن أي تقدم. وأشار الموقع إلى أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا خلال الأيام العشرة الماضية مفاوضات غير مباشرة عبر باكستان ومصر وتركيا، في محاولة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مقابل فتح مضيق هرمز، إلا أنه لم يتم إحراز تقدم يُذكر حتى الآن.

رغم كافة المؤشرات التي ترجح ارتفاع منسوب التصعيد، خاصة مع استمرار الحشد العسكري والتغيرات الأخيرة في قيادات الجيش الأميركي على رأس القوات البرية، يبدو أن الساعات القادمة قد تحمل سيناريوهات فائقة الخطورة على مسرح الأحداث. ومع ذلك، فإن هذا التصعيد لن يمنع الأطراف من اللجوء إلى طاولة المفاوضات، التي ستحدد الرؤية الكلية وفقاً لنتائج الوضع الميداني وما ستؤول إليه التطورات.
ماذا تريد أطراف الحرب؟
وفي الوقت الذي ترى فيه واشنطن ضرورة أن تكون إيران مقيدة النفوذ وخاضعة لتسوية سياسية، تعتبر طهران أن العمليات العسكرية قد تتحول إلى صراع استنزاف طويل يعيد تشكيل التوازنات ويزيد من قيمة المفاوضات ونتائجها.
تشي سيناريوهات العمليات العسكرية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بعدة مؤشرات يمكن البناء عليها لفهم مآلات الوضع الإيراني بعد انتهاء المرحلة الحالية، سواء عبر مسار تفاوضي أو عبر نتائج العمليات العسكرية.
وبالتالي يبدو أن الهدف الاستراتيجي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة هو إضعاف إيران إلى الدرجة التي تُشلّ معها قدرتها على المبادرة الإقليمية أو تصدير التهديد في محيطها الجغرافي، مع دفعها لاحقاً إلى القبول بقيود أشمل تتعلق ببرنامجها النووي وقدراتها الصاروخية وسلوكها الإقليمي، وهو ما قد يفضي إلى نمط إيراني أقل تأثيراً في معادلات الشرق الأوسط.
في المقابل، يقوم التصور الإيراني خلال فترات التصعيد، سواء على المدى القريب خلال الشهر الفائت أو منذ الحرب في العام المنصرم، على إدارة عامل الوقت والحفاظ على بقاء النظام، مع توظيف الأوراق التي تمتلكها طهران، سواء عبر الضغط في مضيق هرمز أو من خلال دعم “الحوثيين” في تهديد أو إغلاق مضيق باب المندب، بما يرفع كلفة الحرب على خصومها ويدفعهم في النهاية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل تشدداً.
وبين هذين المسارين، يظهر عامل الوقت كأحد أهم أدوات الصراع؛ إذ إن إطالة أمد الحرب قد تمنح طهران فرصة لتحسين موقعها النسبي سياسياً، حتى لو بقي التفوق العسكري بوضوح لصالح واشنطن وتل أبيب.
ثلاثة سيناريوهات لمآلات الصراع
وفي هذا السياق، يبدو أن مركز الثقل الحقيقي لهذه الحرب يتجاوز قدرات السلاح وحدود ميدان القتال، ليتخذ بعداً جيوسياسياً أوسع يتموضع في معادلات تأمين أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتوريد، وإعادة تشكيل توازنات النفوذ والأمن في الشرق الأوسط، وكذلك في حسابات القوة ضمن المعادلة الدولية الأوسع.
إذاً، تبدو المعطيات الراهنة أن نتائج هذا الصراع لا يمكن حسمها بالقوة العسكرية وحدها، نظراً لوجود اعتبارات جيوسياسية أكثر تعقيداً. فواشنطن ترى في إعادة تعريف دور إيران وسيلة لتحويلها إلى دولة متوسطة القوة مقيدة النفوذ، غير قادرة على تصدير التهديدات، بينما تحرص طهران على الحفاظ على نظامها السياسي وتوظيف الوقت لصالحها من خلال رفع كلفة العمليات العسكرية وتعزيز موقفها التفاوضي.
وفي هذا الإطار، يمكن تصور ثلاث سيناريوهات محتملة لما بعد الحرب: أولاً، إيران مقيدة النفوذ وخاضعة لتسوية سياسية تمنحها بعض الاستقلال الداخلي مع الحد من قدرتها الإقليمية.
ثانياً، صراع استنزاف طويل يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية ويقوي أوراق إيران في المفاوضات المستقبلية؛ ثالثاً، مواجهة مفتوحة محدودة قد تؤدي إلى تغيير ملموس في سلاسل الإمداد وأمن الطاقة ومواءمة التحالفات الإقليمية.
وفي جميع هذه السيناريوهات، يظل عامل الوقت والمناورة السياسية محورياً، مما يجعل مركز الثقل الحقيقي للصراع ليس فقط في ساحة المعركة، بل في قدرة الأطراف على إدارة النفوذ والتوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط والعالم. ومن هنا، يمكن ترجيح أن عامل الوقت سيكون حاسماً في هذه المعركة، خاصة مع خشية الولايات المتحدة من اتساع رقعة الحرب وانخراط قوى جديدة في الحرب الجارية.
- “هرمز” يسجل أعلى حركة عبور منذ اندلاع الحرب الإيرانية.. مؤشرات على انفراجة وشيكة؟
- فصيل يعلن هجمات على قوات أميركية ومواقع إسرائيلية في سوريا
- ماذا تريد واشنطن من طهران؟.. بين ما بعد النووي وإعادة تعريف الدور الإقليمي
- الليرة السورية تنضم إلى “نادي أسوأ العملات” بفعل تداعيات الحرب الإيرانية وتبديل العملة
- احتكار السلطة يهدد حكم الشرع في سوريا
تابع المقالة ماذا تريد واشنطن من طهران؟.. بين ما بعد النووي وإعادة تعريف الدور الإقليمي على الحل نت.




