ماذا تملك الدولة اللبنانية لتقدّم في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل؟
كانت الرواية أن لبنان آخر من يذهب إلى السلام مع إسرائيل، وها هو اليوم يسبق الدول العربية إلى المفاوضات، ولو أن النتيجة غير مضمونة.
لا ضير إذا قلنا إنّ لبنان يخطو خطوة جريئة بالمبادرة إلى طلب الجلوس مع الإسرائيليين، لتحقيق وقف الحرب وفتح صفحة جديدة عنوانها السلام؛ وهي خطوة لم يشهدها اللبنانيون إلا في بداية الثمانينيات مع الرئيس الشهيد بشير الجميل، وبعده شقيقه أمين والشيخ كامل الأسعد.
الاجتماع المقرر الثلثاء المقبل في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، سبقه اتصال هاتفي تحضيري تم بين سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن أيضاً يحيئيل ليتر، بمشاركة السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى ودبلوماسي في الخارجية الأميركية، وهدفه تنظيم ترتيبات مسار التفاوض بين الطرفين.
وبعيداً عن المسار والظروف التي أجبرت لبنان على سلوك هذا الطريق، باعتبار أن هناك من يرى أن التفاوض على وقع الدم أمر غير منطقي ولا يجوز، فهل يكون رهان الدولة اللبنانية بمحله ويحقق لبنان الأهداف التي يريدها من إسرائيل، أو ستكون الدولة اللبنانية كلاعب القمار الذي يفتش في نهاية اللعبة عن وسيلة أو عمّن يعوّض عليه خسارته؟
من هنا، تُطرح أمام المراقب اللبناني جملة من الأسئلة غير المطمئنة، أبرزها:
- ما الذي تملكه الدولة اللبنانية من أوراق قوة لتقدّمها في المفاوضات طالما تقرّ بعجزها العسكري والسياسي أمام "حزب الله"؟ ماذا تملك من أدوات لتسييلها في المحادثات مع الإسرائيليين؟
- بماذا سيردّ الجانب اللبناني إذا كانت أولى الشروط الإسرائيلية هي نزع سلاح "حزب الله"؟
- هل يستطيع المستوى الرسمي السياسي والعسكري في لبنان أن يفعل اليوم ما عجز عنه سابقاً؟ وهل يدخل في المواجهة مع "حزب الله"؟ وماذا عن شعارات انقسام الجيش والحرب الأهلية؟
- إذا أراد لبنان ضمانات إسرائيلية كالهدنة، ووقف النار، وإطلاق الأسرى، وغيرها، فأيّ ضمانات يقدر أن يقدّمها للإسرائيلي لردع "حزب الله" عن إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل؟
- أيّ وعود يمكن أن يطلقها لبنان، وقادته يمتنعون "طوعاً أو قسراً" عن تطبيق قراري 5 آب و2 آذار الحكوميين، يُضاف إليهما قرار حصر السلاح في بيروت؟
- أيّ صدقية ستعكسها الدولة اللبنانية، ومسؤولوها ينكفئون أمام التدخل الإيراني العلني في شؤون لبنان؟
- ماذا لو سأل الإسرائيليون أين أصبح تنفيذ قرار طرد السفير الإيراني، فبأيّ إجابة سيرد الوفد اللبناني المفاوِض؟
- وماذا لو سأل الإسرائيليون عن خطة حصر السلاح، التي تعهد الجيش الانتهاء من مراحلها الأولى، فيما كشف أفيخاي أدرعي بالأمس، بالأرقام والمناطق أن جنوب الليطاني لم يكن يوماً في عهدة الجيش اللبناني وفق ما قال قائده رودولف هيكل؟
- كيف سيحقق لبنان مطالبه إذا كانت الثقة الدولية والداخلية مفقودة بدولته أصلاً؟
لا تخلو طريق الدولة اللبنانية من التحدّيات والصعوبات والسقطات - إذا صحّ التعبير - وترميمها يتطلّب العديد من الشروط، أهمها:
أولاً، إيجاد الأجوبة عن الأسئلة أعلاه.
ثانياً، الانتصار في الصراع لتثبيت مرجعيتها التفاوضية أمام محاولات "حزب الله" جعل القرار لدى إيران، ومحاولات إيران لعدم فصل الملف اللبناني عنها.
ثالثاً، مجابهة التهديد الإيراني المباشر بزعزعة الأمن والاستقرار وإسقاط نواف سلام وحكومته إذا لم يلتزم بمعادلة الحكومة والمقاومة.
رابعاً، ردع سلوك "حزب الله" الرافض أولاً لإلقاء سلاحه، والمتمرد على قرار الحكومة ثانياً، والمهدِّد بالفوضى ثالثاً، وبإعدام رئيس الحكومة ووزراء الحكومة رابعاً، أو أقلّه بتسونامي يطيحها مع "حاشية" نواف سلام، ثم الطامح خامساً لقلب الحرب من خارجية مع إسرائيل إلى داخلية مع الدولة، تطيح بالتوازنات والمقدسات وتُسقط مقومات النظام.
سادساً، الخروج بخطاب سيادي حاسم بوجه طرح السفارة الإيرانية في بيروت اليوم معادلة "لبنان روح إيران"، التي تختصر بمعناها الواسع والعميق، تلازم "المسار والمصير"، وإبقاء لبنان امتداداً للجيبوليتيك الإيراني بمعزل عن بعده الجغرافي، وبيدقاً إيرانياً في الشطرنج الإقليمية والدولية.
قد يقول ساخر إن "حزب الله" هو الأَوْلى بالتفاوض مع إسرائيل، فهو قدّم لها الكثير، بدءاً من المعاهدة البحرية، واليوم الجنوب بأكمله، وتفوّق الإسرائيلي على مساحة سماء لبنان كلّها، إلّا أنّ "خطف الوقت"، وليس "شراء الوقت"، يحتاج إلى مبادرات سريعة وحاسمة وجريئة على قدر المرحلة، وهو المطلوب من المستوى الرسمي في لبنان.
لذا، يمكن القول إن المستحيل بين لبنان وإسرائيل قد تحقق، فيما وجود مواقف ورجالات دولة أمر في غاية الصعوبة، وقد يحتاج لأكثر من "قيامة" بحسب "التقويمين" الغربي والشرقي ليتحقق.




