ثانيا، لا يرد في الوثيقة أي ذكر صريح لكون إسرائيل تحتل أراضي لبنانية وتعمل على إنشاء منطقة عازلة في الجنوب تتسع يوما بعد يوم. كذلك تغيب عنها الإشارة إلى مليون وثلاثمئة ألف لبناني مهجر، وإلى حقهم في العودة إلى مدنهم وقراهم. وصحيح أن هذه الملفات ستُطرح في مفاوضات لاحقة، وأن الاتفاق يؤكد وحدة الأراضي اللبنانية، إلا أنه من الضروري الإقرار بوضوح بأنه لا يمكن التوصل إلى سلام بين البلدين ما لم تنسحب إسرائيل انسحابا كاملا من الأراضي اللبنانية.
ومع ذلك، يتيح وقف إطلاق النار للحكومة اللبنانية فرصا يمكن البناء عليها. وأولى هذه الفرص الوقف الفوري للقتل والدمار اللذين تسببهما الضربات الإسرائيلية. فحماية الأرواح تبقى الأولوية القصوى، حتى وإن كان ذلك لفترة مؤقتة.
سياسيا، وبعد انقطاع طويل فرضه نظام الأسد، استعادت الدولة اللبنانية موقعها على الساحة الدولية من خلال دخولها في محادثات مع إسرائيل، ثم توقيعها الآن اتفاق وقف إطلاق النار معها.

إن استعادة لبنان سلطته على قراره في السياسة الخارجية، بعد عقود قضاها تحت ظل دمشق، تطور بالغ الأهمية. وتتجاوز دلالاته حدود الرمزية بكثير. فهذا المسار الدبلوماسي قد يكتسب زخما ذاتيا، ويقود إلى نتائج ملموسة وغير متوقعة تصب بقوة في مصلحة لبنان. ومن خلال التفاوض مع إسرائيل، تعيد الدولة اللبنانية تأكيد حضورها في الداخل أيضا، في نظر مواطنيها أنفسهم. وتلك قيمة كبيرة لا تقدر بثمن.
ومن الطبيعي أن الفصل الشكلي بين مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي وبين المسار الأميركي الإيراني لا يعني انعدام الصلة بينهما. فالروابط واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الشرح. إذ إن "حزب الله" لا يتلقى أوامره إلا من إيران، وهي التي تمده بالسلاح والمال. وليس من المرجح أن تتخلى طهران بسهولة، أو مطلقا، عن ورقة "حزب الله". وعليه، قد يوقع لبنان وإسرائيل ما شاءا من اتفاقات، لكن إذا قررت إيران مواصلة استخدام "الحزب" لاستنزاف إسرائيل ومضايقتها، فلن يتغير الكثير.
وهنا تبرز أهمية الدور الأميركي. فمن خلال الدبلوماسية الأميركية وحدها يمكن دفع إيران إلى السماح لـ"حزب الله" بالتخلي عن سلاحه. وما يدعو إلى التفاؤل أن الانخراط الشخصي لترمب، إلى جانب روبيو، أضفى ثقلا سياسيا جديا على المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية. فإذا أصرت الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، على أن تفكك إيران شبكتها من الوكلاء في المنطقة، فسيكون أمام لبنان هامش حقيقي من الفرص، والعكس صحيح أيضا.












