في المقابل يسخر منها مجيبا: "إن كنت لا تعرفين رائحة القبر فهذا أمر سيئ حقا؟!"، ويتدارك ابن عمه الموقف مجيبا بثقة: "أعرف حتما أن رائحته كشعر محترق!".
رائحة الموت إذن، هي ما يندلع من جلد القصة وقد سجّلها كاواباتا بازدواجية تلحم بين السخرية والحس الدرامي، ليزج بنا معطفه في مفترق أسئلة حول المآل وتضعنا القصة في مجابهة تاريخنا الشخصي المعنيّ بلحظة الموت وفضاء التمثّلات المتناقضة التي يثيرها مناخ الجنازة وطقوس الجثة. لحظة بثقل وجودي، يذكيها الشعور المأساوي المارق للحياة، فيما تظل عالقة في منطقة بيضاء في الذاكرة، مفتوحة على التأمل والاستكناه.
في القصة السوداوية هذه، نصادف وجها ساحرا آخر، من وجوه كتابة تلتفت إلى الأشياء المهملة، بعين الغرابة المقلقة ناسجة من غبارها ما يدهشنا، إنها العبقرية التي تصنع من هشاشة العناصر المحليّة ملحمة التجربة الكلية. فالإمعان في القصة يفضي بقوة الملاحظة إلى الوقوف على علامات مضيئة وراسخة تتلاحم في معظم نتاج كاواباتا منها على سبيل الإشارة:
اللغة الصامتة التي تكتنز رؤيا الوجود والتكثيف السحري الحريص على قوة الإيجاز وبلاغة التقطير والتفجير المدهش للموروث الفني والتاريخي والثقافي والاجتماعي لأسلوب حياة اليابانيين دون أن يعني الأمر تمجيدا للماضوية التاريخية أو تقديسا للتقليدية، بل تثويرا لمثاقيل ذاكرتها عبر أشكال حداثية. ثم هناك ما يمكن أن نسميه بأركيولوجيا الموت أيضا: أي الحفريات الهائلة في طبقات الموت التي تشغل حيزها المركزي في مجمل أعمال كاواباتا القصصية منها والروائية.
وأخيرا العدمية المثيرة والسخرية السوداء والحزن الشاهق ومراثي الجمال والتوغل المريب في رمادية الشخصية والتطويع الفريد لآليات السرد والتخييل والجنوح المبهر إلى السريالي والغنائي والسيمفوني.
في محصلة هذا الأمر المبتكر، ما جعل غابرييل غارثيا ماركيز، يتمنى لو كان كاتبا وصاحبا لإحدى روائع كاواباتا "الجميلات النائمات"، وقد أنشأ على غرارها روايته "ذاكرة غانياتي الحزينات"، محاكيا إياها بإعجاب. وكاواباتا الذي طالما صنفه النقد الياباني ومعه الغربي بداية ضمن الحسية الجديدة والغنائية، يقول عنه مواطنه الروائي كيتزا بورو في شهادة "اليابان والغامض وأنا" إنه يحدد هويته هو نفسه، وذلك في خطابه أثناء تسلمه جائزة نوبل: التأرجح بين تقاليد فلسفة الزن والنزعة العدمية المنتمية للغرب.
بين هذين القطبين المتجاذبين بشكل مغناطيسي لا يمكن غض الطرف عن صورة اختزالية لياسوناري كاواباتا، مبدأها الجمالي والفلسفي يحتكم إلى: البساطة المقعرة والصمت المدوي.





