معضلات الكتابة الآلية
الحب والفقد وسؤالُ الموت
إذا كانت الهشاشةُ تُفصح عن نفسها في بنية الصدع اللغوي، فإن الحساسية الشعوريّة هي الدمُ الذي يترشّح من ذاك الصدع ليُقيم علاقةً بين النص والقارئ؛ وهي عصبُ الكتابة البشرية الذي يتمظهر في «كيفية» توزيع الانفعال وجرعةِ التوتر على امتداد الجملة، بحيث تتحول التجربة الحسية إلى إيقاع داخلي يَنْقُل الوجع من مستوى الإدراك الخاص إلى مستوى التَّشارُك الجمالي ولا يُختزل في اختيار مفرداتٍ حزينة أو تعابيرَ مؤثّرة. في تشريح سيكولوجية الألم، يبيّن بول ريكور أنّ الألم الخارجيّ يتحول إلى «معاناة» فقط حين يُسجَّل في الوعي بوصفه سؤالاً أخلاقياً أو وجودياً، وأنّ الكتابة هي أحد الطرائق لتحويل الشعور الفيزيولوجي إلى تجربة معنى. يتجلى هذا التحويل في نصوص الشاعر جواد المومني، حيث يكتب الوجع بوصفها اختلاجاً لغوياً: جُمَلٌ متقطّعة وعلامات حذف متكررة وأفعالٌ في صيغة المضارع تدفع القارئ إلى «معايشة» الألم، وبالقدر نفسه، عند حسين البرغوثي في الضوء الأزرق يصبح السرطان مرآة تتكسّر فيها هوية الراوي، فتظهر الحساسيّةُ الشعوريّة مثل خليط خوف وجمال يصعب تحديد حدودهما؛ فالألم عنوانُ يقظةٍ قصوى على الحياة.
هذه الدينامية العاطفيّة يَصعب على الخوارزمية استنساخُها لأنّها تتطلّب ملكة المعايشة الزمنية: الشعورُ بالزمن الحُر داخل الجسد الذي يجعل الجملة تتنفّس وفق طبيعة الانفعال. عند توليد نصٍّ آليٍّ عن الفقد، يرصُّ النموذج استعاراتٍ محفوظةً («القلب المكسور»، «دمع الغيوم»)، لكنه يفتقر إلى الكثافة الشعوريّة، تلك الزيادة التدريجيّة في التوتّر التي تصل بالمتلقي إلى حد الانقباض الفيزيولوجي، ثم تُطلقه في لحظة تفريجٍ أو انهيار. فالخوارزمية تحافظ على سوية انفعالية مسطحة لأنّها تخشى الاحتمالات المنخفضة حيث تقيم المفاجأة الحقيقيّة. عند المقارنة التجريبيّة، طلب الباحث المصريّ ياسين حافظ سنة (2024) من GPT-4 مقطعًا يرثي أمًّا فقيرة، ومنح الطلبة مقطعًا من «مرثية فدوى طوقان لأخيها إبراهيم». سجّلت أجهزة قياس ردّ الفعل الجلدي (GSR) ارتفاعًا أكبر عند قراءة النصّ البشري، رغم تساوي طول المقطعين، ما يشير إلى أن الحساسيّة الشعوريّة في الكتابة الأصيلة تستثير الجهاز العصبيّ عبر مزيج الدلالة والصمت.
من منظور اللسانيات التداولية، توظّف الكتابةُ الحيةُ آليّةَ «روابط الانتباه الانفعاليّ، تكرار ضميرٍ بعينه، عودةً طفيفاً إلى صورةٍ تأسيسيّة، أو مفردةٍ حسيّةٍ تعاود الظهور في سياقٍ مغاير، بحيث يُستثار مركز الانفعال في الدماغ عند كل ارتداد. أما النص الآليّ فيُحسن التكرار اللفظيّ لكنه يجهل التكرار الوظيفيّ؛ يكرّر الكلمة ذاتها دون تعديل موضعها الشعوري، فيتحول التكرار إلى رتابة لغوية مملة.
تمتلك الحساسيةُ الشعوريةُ كذلك بُعداً ثقافياً: الألم يختلف باختلاف سياقِه، ولهذا تبدو استعارةُ «الثلج فوق الصدر» حياديّة في البيانات العالمية لكنّها توقظ شعور القارئ العربيّ المحكوم بمجازيات الصحراء والحرارة والجفاف؛ أمّا «غبار الطريق» عند الشعراء المغاربة فيختزن طبقاتٍ من زَمَن التِيه والحنين لأرضٍ بعيدة. الخوارزمية متدربة على بياناتٍ كثيرة باللغة الإنجليزية فتنقل الألم في مرآةٍ هوليووديّة – مطر، سيل، زنزانة رطبة – فتُفرغ التجربة من حمولتها المحلّية. لذلك تتضاعف مسؤولية الكاتب المحرِّر: عليه أن «يعلِّم» النموذج تفاصيلَ طقوس العزاء في جبال الأطلس الصغير أو نشيد الأمهات عند غياب البحّارة في المدن الساحلية، ثم ينتقي من المخرجات ما يحمل أثر تلك الطقوس حقًّا، ولا يكتفي فقط بذكرِها السطحي الحيادي.
إن الحساسية الشعورية، إذ تُكتب، ليست تطريزاً لـ «جوّ» القصيدة لكن في الحقيقة هي خيطُها البنيويّ الذي يربط بداية الانفعال بذروته، هي اللعنةُ التي تجعل الكاتب يكرر الصياغة خمسين مرة بحثاً عن نبرةٍ توجع بالقدر الملائم؛ بينما النموذج الآلي لا يتألم عندما يقترح كلمةً بديلةً، لأنّ التغيير عنده لا يقيم في الجسد. هنا يكمن حدُّ الإبداع: لا يمكن للمفردة أن تُحْدِث رجّةً حقيقيةً ما لم تمر داخل أنسجة ذاكرةٍ تتمرد على محو الألم. فالكتابة البشرية تُقاسي في اختيارها، والخوارزمية تقتصر على المقارنة؛ وبين القسوة والمقارنة تنتصب جماليةٌ لا يمكن أن نحسها بعدد المجازات. وحدها رعشة اليد ساعةَ تكتب قادرة أن تمنحنا تلك الجمالية.
في حقيقة الوضع، لا يُكتب الحب في الأدب البشري باعتباره عاطفةً مستقِرة أو مُعطى وجدانياً جاهزاً، لأن الحب يظهر دوماً على حالة توتر لغوي يربط الحضور بكل تفاصيله بالغياب، ويعيش على حافة التمنّي وربما الخوف أيضاً، وكما وصفه رولان بارت في شذرات من خطاب عاشق سنة (1977)،: “تنتظرني حيث لا أود الذهاب: تحبني حيث لا أكون. وأيضاً لا نهتم وأنا بالشيء نفسه. لسوء حظي، فإن هذا الشيء المقسوم هو أنا”. ومن هذا الباب، تخرج الكتابة العاطفيّة الحقيقية من إطار البوح إلى فسحة التشظّي، حيث كل جملة تحاول لملمة ما لا يُلملم.
في رواية أصبحتُ أنت لأحلام مستغانمي، لا يُقدَّم الحبّ على شكل وجعٍ مقيم داخل ضمير المتكلّم الأنثويّ: “لا أحب أن يعزيني أحد في من أحب. يسمون العزاء -واجب- كيف أجد في واحبهم عزائي؟ “. فالكتابة هنا تكتب الحب “بوصفه خسارة مؤجّلة”، ما يُضفي على العبارة بُعداً وجودياً يتجاوز المعنى القاموسيّ.
هذه الصيغة من الكتابة العاطفيّة تتعذّر على النماذج الآلية لأنها تفتقر إلى “حالة الانكسار” التي تولِّد اللغة من داخل الخوف أو الجرح. فبينما تُنتج الخوارزميّات جملاً من نوع: “أحببتكِ كغروبٍ لا ينتهي”، أو “قلبكِ موسيقى تسكن أنفاسي”، تبقى هذه التعبيرات محفوظة التركيب، عالية الاحتمال، مفرغة من شعور الخسارة التي تمنح الجملة صدقيتها. فكما يلاحظ الفيلسوف جاك دريدا، فإنّ “كلّ كتابةٍ حقيقية تنبع من لحظةٍ يحضر فيها الغياب بوصفه أصلًا”. هذا الغياب – غياب الآخر، أو غياب اليقين، أو حتى غياب اللغة عن التسمية الدقيقة – هو ما يُؤسس التوتر البنيوي في الجملة الشعريّة أو السردية عند لحظة الحب أو الفقد.
أما الفقد، فيتجاوز في الأدب العربي حدث الموت أو الغياب إلى أن يصبح “أفق كتابة”، وفق تعبير علوية صبح في رواية أن تعشق الحياة، “أضيع أحياناً حتى عن نفسي. أتوه عن تاريخ ولادتي وعمري، وحتى عن زماني ومكاني فلا أدرك أين أنا”. الفقد هنا يُقدَّم بوصفه استمراراً صامتاً يَطلّ من خلال الصور الناقصة والتكرار المتقطع والفراغات التي يتركها الكاتب عمداً، كما في قصائد نازك الملائكة التي كثيراً ما تكتفي بإيماءٍ عاطفي ولا تشرح المشهد كاملاً، حفاظتاً على أثر الخسارة. بذلك يغدو الحكي فعلاً تأويلياً للفراغ.
وإذا كان الفقد باباً للغياب، فإنّ سؤال الموت في الأدب الإنسانيّ لا يُطرَح بوصفه فعلاً بيولوجيّاً فقط ويقصد به نهاية الجسد، ولكنه أن صح التعبير يطرح “كـحدّ بلاغيّ” تسقط فيه اللغة أمام هاويتها وتُضطر إلى التحول نحو الاستعارة أو الصمت أو الإيقاع المفتوح. في رواية هند أو أجمل امرأة في العالم لهدى بركات، يُمثَّل الموت “كـتوقٍ إلى الكلام الأخير” إذ تكتب: ” ثم جلستُ على الكنبة وراحت تراودني تلك الحكايات التي تُروى عن القطط، من أنَّها تموت ثم تعود للحياة مرارًا لأنَّ لها أرواحًا كثيرة، سبعًا أو تسعًا. سأنتظر إذًا طويلًا، حتى تنفق أرواحُ هذا القطِّ كلُّها. ثم إنَّ القطط قادرةٌ على الرؤية في الظلمة، بل هي ترى ما لا يراه البشر من أسرارٍ وأرواحٍ وأشباح. وقد يكون هذا القطُّ أمام بابي عارفًا بما يمرُّ في رأسي من أفكار. وقد يخطر له أن ينتقم، هو أو إحدى حيواته منِّي “، فتتحول الكتابة إلى طقس احتضار، وهنا تُستعاد وظيفة السرد والذي يمكن أن نقول عنه بطريقة ما إن السرد يتحول إلى وصف للعدم؛ فالنصّ يتلبس طاقةَ البقاء لأن الذات تُنتج آخر أثرٍ لها عبر الكلمات.
في هذا المقام، تفشل الكتابة الآليّة في تحويل موضوع الموت إلى لحظة شعرية عميقة، لأنها تعالج الموت كتيمة. فإذا طُلب منها كتابة قصيدة رثاء، ستنتج استعارات مكررة عن القبور والسماء والدموع، لكنها لن تحقق التوتر الوجودي الذي يجعل الجملة الأخيرة في النص صرخة حياة، لا جردًا خوارزمياً لكلمة الموت. وهذا بالضبط ما يجعل الكتابة البشرية تحتفظ بتفوّقها؛ لأنها تكتب ما تعنيه الأشياء حين تمس الداخل، حين تؤلم أو تؤخّر أو تُفجّر سؤالًا لا جواب له ولا تكتب الأشياء كما هي في سطحيتها. كما كتب سيوران في مثالب الولادة، “الكتابة عن الموت هي الفخّ الأخير الذي تنصبه الحياة لتقول: أنا هنا، ما زلتُ أتنفّس.”
يمكن القول إنّ الحبّ والفقد والموت في الكتابة البشريّة هي فضاءاتٌ انفعالية تولّد لغتها الخاصة، لغتها التي ترتجف وتتردد وتستعير حين تعجز. وهي لغة لا يمكن استنساخها عبر إحصاء أو تدريب، لأنها مشروطة باختبار الوجود نفسه بالحب الذي يُهدد، بالخسارة التي تُفقِد وبالموت الذي لا يُروى. الكتابة هنا علامة رجاء أخيرٍ في وجه الصمت.
وأمام كل هذه الخصائص، تبدو الكتابة الاصطناعية عاجزة، لأنها تفتقر للتجربة الشعورية التي تُولد اللغة من داخل القلق. هي تكتب لأن المعادلة الرياضية تسمح بذلك، وليس لأن الذات الكاتبة تختنق. لذلك، مهما بلغ اتقان الخوارزميات، تبقى الجمل المنتَجة آليًا خالية من تلك «الارتعاشة» التي تمنح الأدب فرادته؛ ببساطة لأن الإبداع يُولَد من اشتباك وجداني مع اللغة والعالم والذات.
ومن هنا، تصبح الكتابة الحقيقية فعلًا هشاً ومتوتراً، ضرورياً بقدر ما هو مؤلم. لا تُكتب الجملة لأنها صحيحة وسليمة وخاضعة للمنطق، الجملة في عمقها البشري تكتب لأنها مؤلمة بالشكل المناسب، لأنها تقول شيئاً لا يمكن قوله بطريقة أخرى.
ومن هذا الباب الصغير جداً، تُفهم الكتابة باعتبارها فعل نجاة وصوت صرخة وإعلان عن أن الجمال لا يأتي من الكمال الرقمي الجاف، الجمال بعفويته يأتي من النقص الذي نتقنه لغوياً حتى لا يُهزمنا شعورياً.
-روائي- باحث في سلك الدكتوراه
The post معضلات الكتابة الآلية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





