... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
230162 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7956 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

مع اعتدال الطقس.. بدء موسم “الكصاص” في ريف الحسكة

العالم
عنب بلدي
2026/04/21 - 08:00 502 مشاهدة

مع حلول منتصف نيسان من كل عام، تبدأ ملامح موسم جز صوف الأغنام بالظهور في أرياف محافظة الحسكة، وهو الموسم الذي يعرف محليًا باسم “الكصاص”، ويستمر حتى مطلع شهر أيار، وسط طقوس متوارثة تعكس خصوصية الحياة الريفية في شمال شرقي سوريا، حيث تتداخل المصلحة الاقتصادية مع القيم الاجتماعية والتقاليد العريقة.

تأخر اعتدال الطقس هذا العام، دفع بعض مربي المواشي إلى التريث في بدء الجز، بينما باشر آخرون العمل مع أولى موجات الدفء، مدفوعين بضرورات تتعلق بصحة الأغنام واستعدادها لفصل الصيف القاسي الذي تتميز به المنطقة.

طقس موسمي بأبعاد اقتصادية

يُعد موسم “الكصاص” محطة أساسية في دورة الإنتاج لدى مربي الأغنام، إذ لا تقل أهميته عن مواسم الحليب ومشتقاته، مثل “التجبين والتمويع”. فالصوف، رغم تراجع استخداماته المنزلية خلال السنوات الأخيرة، لا يزال يشكل مصدر دخل جانبي للعائلات الريفية، التي تعتمد بشكل كبير على تربية المواشي إلى جانب الزراعة.

يقول علي السلمان، وهو عامل متمرس في جز الصوف (كاصوص)، إن هذا الموسم “لم يعد الصوف فرصة مهمة لتحسين دخل المربين كما في السابق، واليوم تختلف الأسعار بحسب الجودة والنظافة وطريقة الجز، إلا أنها بسيطة ولا تُقارن بما كانت عليه الأسعار في عقود خلت”.

ويضيف: “المهارة في القص تلعب دورًا كبيرًا في الحفاظ على قيمة الصوف، إذ يجب أن يكون متماسكًا على شكل قطعة واحدة تُعرف باسم ‘الجزة’”.

في السابق، كان الصوف يُستخدم على نطاق واسع في صناعة المفروشات والأغطية المنزلية، لكن مع انتشار المنتجات الجاهزة، تراجع هذا الاستخدام بشكل ملحوظ، واتجه معظم المربين إلى بيع الصوف مباشرة للتجار.

ويقول مربو أغنام ممن التقتهم عنب بلدي،  إن الناس كانوا يعتمدون على الصوف في كل شيء داخل المنزل، أما اليوم فقد تغيرت العادات، وأصبح البيع هو الخيار الأسهل.

مهنة تتوارثها الخبرة والتجربة

يشرح علي السلمان تفاصيل العمل في هذا الموسم، موضحًا أن تعلم الجز “لا يقتصر على استخدام الأداة، بل يشمل معرفة سلوك الأغنام وكيفية التعامل معها بهدوء ودون إلحاق الأذى بها”.

ويشير إلى أن الشباب يتوزعون خلال يوم الجز إلى مجموعتين، الأولى من ذوي الخبرة الذين يقومون بالقص، والثانية من المساعدين الذين يتولون سحب الأغنام وتثبيتها.

يتابع: “نستخدم حبالًا عريضة من الصوف لتقييد أرجل الخروف بطريقة لا تؤذيه، ثم يبدأ القص تدريجيًا من مناطق حساسة تتطلب دقة عالية”. ويؤكد أن الخبرة المتراكمة هي الأساس في تجنب إصابة الحيوانات، خاصة في المناطق الرقيقة من الجسم.

الفزعة”.. روح التعاون الريفي

من أبرز ما يميز موسم “الكصاص” هو مبدأ “الفزعة”، وهو تقليد اجتماعي قائم على التعاون بين مربي الأغنام في القرية.

ويشرح محمود الرجب، وهو رجل مسن عايش هذه الطقوس لعقود، أن “الفزعة تعني أن يتعاون الجميع في جز قطيع أحد المربين، ثم ينتقلون إلى قطيع آخر، دون أي مقابل مادي”.

هذه العادة، بحسب الرجب، “تعزز الروابط الاجتماعية بين أبناء القرية، وتخلق أجواء من الألفة والمحبة، خاصة مع مشاركة الجميع في العمل، من كبار وصغار”.

ويستذكر الرجب كيف كانت هذه المناسبات “تتحول إلى أشبه بالاحتفال، حيث تُذبح الذبائح، وتُقدم الوجبات من الفطور حتى العشاء، ويشارك الجميع في الغناء والعمل”.

الحِداء.. صوت التراث خلال العمل

لا يكتمل موسم “الكصاص” دون “الحِداء”، وهي أغانٍ شعبية يؤديها أحد المشاركين، ويرددها الآخرون، بهدف كسر رتابة العمل وبث الحماس في نفوس العاملين. وتتنوع كلمات هذه الأناشيد بين الفخر بالمهنة، ووصف الأغنام، والتغني بالكرم والتعاون.

ويؤكد علي السلمان أن “الحِداء جزء لا يتجزأ من هذا الموسم، فهو يخفف من تعب العمل الطويل، ويمنح الجميع طاقة إيجابية للاستمرار”.

أدوات وتقنيات تقليدية

تُستخدم في عملية الجز أداة تقليدية تُعرف باسم “الزو”، وهي أشبه بالمقص لكنها تُضغط براحة اليد دون فتحات للأصابع، وتُصنع من الفولاذ على يد الحدادين المحليين. ويُحرص على تنظيفها بعد كل استخدام بوضعها في اللبن الحامض لإزالة الشوائب وضمان استمرار فعاليتها.

ويشرح علي السلمان أن عملية القص تبدأ من منطقة البطن، مرورًا بالجوانب، وصولًا إلى الظهر ومنطقة الإلية، مع ضرورة الحذر في المناطق الحساسة لتجنب إصابة الحيوان بجروح قد تتفاقم لاحقًا.

البعد الصحي.. توقيت وطريقة الجز

الطبيب البيطري عبد الله المصلح، أوضح أن توقيت وطريقة الجز لهما تأثير مباشر على صحة الأغنام، وأن “أفضل وقت للجز هو خلال الطقس المعتدل والجاف، مع تجنب البرد الشديد أو الأمطار، لتفادي الإصابة بالأمراض التنفسية”.

المصلح، حذر من جز النعاج في أواخر الحمل أو عندما تكون ممتلئة البطن، لما قد يسببه ذلك من إجهاد وصعوبة في التنفس. وشدد على أهمية التعامل الهادئ مع الحيوانات أثناء العملية، لتجنب التوتر والإصابات.

ونبه إلى ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية بعد الانتهاء من الجز، مثل استخدام القطران لحماية الجلد من الحشرات، ومراقبة القطيع خلال الأيام الأولى لرصد أي أعراض غير طبيعية.

كما نصح باستشارة الطبيب البيطري عند ظهور علامات تدل على وجود طفيليات، مثل القشور أو ضعف الصوف، لاختيار العلاج المناسب.

طقس اجتماعي

لا يزال موسم “الكصاص” يحافظ على مكانته كأحد أبرز مظاهر الحياة الريفية، حيث يجمع بين العمل والإرث الثقافي، ويعكس قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع الظروف، والحفاظ على تقاليدها في وجه التغيرات.

لا يمثل “الكصاص” مجرد عملية جز للصوف، بل هو مشهد اجتماعي متكامل، تتجسد فيه قيم التعاون، وتُروى من خلاله حكايات الأجداد، ويُورث للأبناء كجزء من هوية المكان والإنسان.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤