"ما لا تكسره النار".. انبعاث الطين العراقي في احتفالية جمالية كبرى
بغداد / علي الدليمي
بحضور نقيب الفنانين العراقيين د. جبار جودي، والفنان الرائد سعد الطائي، وفي احتفالية طافت بأرجاء الروح واستحضرت عراقة الأرض، افتتحت جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين (المركز العام)، صباح السبت، معرض فن الخزف العراقي السنوي. تحت شعار حمل دلالات فلسفية عميقة بعنوان "ما لا تكسره النار".
وشهدت قاعات الجمعية تدفقاً لافتاً من المثقفين، النقاد، وعشاق الجمال، ليكون المعرض بمثابة إعلان متجدد عن حيوية الخزف العراقي وقدرته على مضاهاة الحداثة دون الانفصال عن جذوره السحيقة.
تنوع الأجيال ووحدة الإبداع
لم يكن المعرض مجرد عرض تقني، بل كان جسراً معرفياً يربط بين خبرات الأساتذة الرواد وطاقة الشباب الواعد. وقد تجلى ذلك من خلال المشاركة الواسعة إذ ضم المعرض أكثر من 60 عملاً خزفياً تباينت في أحجامها وتقنياتها. وشارك في العرض مجموعة من أبرز الخزافين العراقيين الذين يمثلون أجيالاً متعاقبة، مما خلق حالة من الحوار البصري بين المدارس الفنية المختلفة.
وقد تعدد الرؤى الفنية والفكرية التي تراوحت الأعمال بين التجريد المعاصر، استلهام التراث الشعبي، والاشتغال على الفراغ والكتلة بأساليب مبتكرة.
كتب الخزاف سعد العاني، رئيس الجمعية، مقدمة دليل المعرض، قائلاً: "نشأت الحضارة في بلاد الرافدين حين حوّل الإنسان الطين إلى لغة كونية، فكانت الألواح المسمارية والزقورات أولى رسائل المعرفة للبشرية".. و"الخزف العراقي ليس مجرد فن عابر، بل هو امتداد حي لحضارات سومر وبابل وآشور، يربط بين ذاكرة الأرض وروح الإنسان.. و"لا يكتفي الخزاف العراقي المعاصر بتقليد الماضي، بل يستلهمه برؤية فنية حديثة تجمع بين التجريب والتمسك بالهوية الرافدينية..".
فلسفة الطين والنار
جاء عنوان المعرض "ما لا تكسره النار" ليعكس جوهر مهنة الخزاف، فهي العملية التي يتحول فيها الطين الهش تحت وطأة الحرارة العالية إلى مادة صلبة عصية على الفناء. وبحسب نقاد حضروا الافتتاح، فإن العنوان يشير أيضاً إلى "إرادة الفنان العراقي" الذي يصيغ من ركام التحديات قطعاً فنية تضج بالحياة والتجدد. "إن هذا المعرض يمثل انتصاراً للجمال في مواجهة العدم، حيث نرى كيف يطوع الفنان العراقي الخامة الترابية لتصبح لغة عالمية تخاطب الحواس."
القيمة الفنية والتقنية
تميزت الأعمال المعروضة بتنوع لافت في استخدام "المزججات" والأكاسيد اللونية، حيث ظهرت قطع فنية بأحجام صرحية وأخرى صغيرة غارقة في التفاصيل الدقيقة. وقد أثنى الحاضرون على قدرة الخزافين على توظيف النار ليس فقط كأداة للإنضاج، بل كشريك في العملية الإبداعية تمنح العمل ملمسه ووهجه النهائي.
يعد هذا المعرض السنوي الذي تقيمه جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين أحد أهم المحطات الثقافية في البلاد، كونه يوثق مسيرة هذا الفن الذي بدأ من بلاد الرافدين وما زال يواصل إشراقه، مؤكداً أن يد الإبداع العراقي لا تزال قادرة على تحويل "الطين" إلى "خلود".
The post "ما لا تكسره النار".. انبعاث الطين العراقي في احتفالية جمالية كبرى appeared first on جريدة المدى.





