ما بعد الزلزال :قراءتان في انكفاء القوة الامريكية .
كتب باسم الموسوي
ثمة لحظات في التاريخ تنكسر فيها بنية النظام الدولي انكساراً لا تُجدي معه الترقيعات، وتتكشّف فيها مفارقة عجيبة: أن المنتصر والمهزوم يُدركان الوقائع ذاتها، لكنهما يقرآنها بعيون مختلفة. ما يجري اليوم في سياق المواجهة الأمريكية-الإيرانية يوفّر نموذجاً نادراً لهذه المفارقة؛ إذ تلتقي قراءتان متباعدتان — إحداهما تنبثق من عمق التحليل الإقليمي، والأخرى من المؤسسة الاستراتيجية الغربية — عند تشخيص مشترك في جوهره: أن الهيمنة الأمريكية تتصدّع، وأن التوازنات الإقليمية والدولية تُعاد صياغتها على أسس مغايرة. غير أن الطريق من التشخيص المشترك إلى الاستنتاج يتفرّق بين الرؤيتين تفرّقاً دالاً.
أولاً: الانهزام الأمريكي بين الإقرار والتوصيف
يرفع التحليل الإقليمي سقف حكمه إلى أقصاه: الولايات المتحدة مُنيت بهزيمة استراتيجية شاملة أمام إيران، وهذه النتيجة باتت ثابتة بصرف النظر عن استمرار الحرب أو إبرام اتفاق. لا خيار عسكري يعكسها، ولا دبلوماسية تمحوها. واشنطن تقف أمام خيارين، وكلاهما خسارة.
أما التحليل الغربي فيُقرّ بالتراجع دون أن يُسمّيه هزيمة. يذهب إلى أن الحرب على إيران — حين تفتقر إلى أساس قانوني — تُقوّض شرعية النظام الدولي الذي تقوده واشنطن ذاتها، وتُطبّع العدوان أداةً مشروعة للسياسة، وتُضعف قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن المبادئ التي طالما رفعتها شعاراً: السيادة وحرية الملاحة وحقوق الدول. بيد أنه يتوقف عند حدّ التحذير ولا يصدر حكماً نهائياً بالانهيار.
تكمن الفجوة الفعلية بين الموقفين في طبيعة القراءة الإبستيمولوجية للأحداث: التحليل الإقليمي يبدأ من نقطة الوصول ويعود منها إلى الأسباب، فيما يبدأ التحليل الغربي من الأسباب ولا يُجازف بالوصول إلى نهاياتها المنطقية. وهذا التحفظ المنهجي ليس بالضرورة فضيلةً أكاديمية؛ فقد يكون — في أحيان كثيرة — ضرباً من ضروب الإنكار المؤسسي.
ثانياً: الجغرافيا السياسية في مرآة الأزمة
تتجلى الرؤيتان في أشد تجلياتهما تمايزاً حين تنزلان إلى خريطة المنطقة وتُعيدان رسم أدوار اللاعبين.
يرى التحليل الإقليمي أن إسرائيل تغدو الخاسر الثاني بعد الولايات المتحدة مباشرةً؛ تنكشف استراتيجياً وتفقد قدرتها على شنّ حرب منفردة على إيران دون ثمن باهظ. ويتصاعد هذا الحكم عند مقارنته بما يُسجّله التحليل الغربي من أن الرأي العام الأمريكي بات يتحرك باتجاه معاكس للسياسة التقليدية، مع تصاعد حقيقي في النقد الداخلي لدور إسرائيل، وتزايد التأييد الشعبي للقضية الفلسطينية، وإمكانية تقليص الدعم العسكري الأمريكي أو إنهائه. كلا التحليلين يرى تآكلاً في الموقف الإسرائيلي، لكنهما يختلفان في تحديد الآلية: الأول يُرجعه إلى الهزيمة العسكرية الإيرانية لأمريكا، والثاني إلى إرهاق السياسة الداخلية الأمريكية.
وعلى صعيد الخليج، يرى التحليل الإقليمي أن المنطقة تفقد أسطورتها كقوة مؤثرة، وأن دورها السياسي يتراجع، وإن ظلت السعودية وعُمان الأقل تضرراً نسبياً. ومن هذا التشخيص ذاته ينبثق اقتراح هيكلي طموح: إنشاء مجمع أمني إقليمي يضم السعودية وإيران وتركيا وربما باكستان، بوصفه بديلاً عن الاعتماد على واشنطن.
وفي قلب الصورة، تُوضع سوريا والعراق ولبنان كثالوث لا يستقر إلا باستقرار بعضه بعضاً. العراق مدعو إلى التحرر من الهيمنة المالية الأمريكية، وسوريا إلى تجاوز احترازها تجاه إيران بما يمهّد لاتحاد عربي في إطار إقليمي أوسع، ولبنان لن يجد طريقاً إلى الاستقرار ما لم يُربط مصيره بمصير سوريا التي تلمّ شتاته. ولا يغيب عن المشهد أطراف بعيدون لكنهم معنيون: مصر أمام فرصة لاستعادة قيادتها إذا خرجت من جمودها، والأردن والمغرب أمام مفترق حاد بين الاستمرار في الاصطفاف مع إسرائيل أو الانعطاف عنه.
ثالثاً: الصين وروسيا والغنائم الهادئة
في هذه النقطة تتقاطع الرؤيتان تقاطعاً أكثر إحكاماً. يُشير التحليل الغربي إلى أن الحرب عجّلت في تطبيع التعاون بين الصين وروسيا وإيران، وأن بكين تستفيد من تمركزها في الاقتصاد والتكنولوجيا النظيفة فيما تنهمك واشنطن في مستنقعات لم تخطط لها، وأن موسكو تُحسّن موقفها في أوكرانيا مستعيرةً من أسعار النفط المرتفعة وقودَها. التحليل الإقليمي يُصل إلى ذات الخلاصة لكن بلغة أقل تحفظاً: فشل الاستراتيجية الأمريكية في منع تشكّل المحور المعادي بات واقعة لا افتراضاً.
والأهم أن كلا التحليلين يرصد تحولاً في موازين التحالفات داخل المنظومة الغربية ذاتها. أوروبا التي لم تُستشر ووجدت نفسها أمام وقائع لم تصنعها تتجه بتسارع متزايد نحو الاستقلال الدفاعي، وربما النووي. وهذا التصدع داخل المعسكر الغربي — وإن ذكره التحليل الغربي بنبرة التحذير — يراه التحليل الإقليمي شاهداً إضافياً على عزلة أمريكية لم تُجاهَر بها منذ عقود.
رابعاً: لماذا تهم الفجوة بين القراءتين؟
يبدو للوهلة الأولى أن الاختلاف بين التحليلين يمكن ردّه إلى اختلاف في التوقعات أو الأمنيات. لكن الحقيقة أعمق من ذلك: الفجوة تعكس اختلافاً في موقع المراقب من الحدث. التحليل الغربي يرى الانكفاء الأمريكي من داخل المنظومة التي تتصدع، فيُميل إلى التخفيف والتحوط حفاظاً على منطق النظام الذي يُحلّل في ظله. أما التحليل الإقليمي فيرى المشهد من خارج تلك المنظومة — أو على هامشها على الأقل — فيستطيع أن يُسمّي الأشياء بأسمائها دون أن يخسر في المقابل شيئاً من ثقله المؤسسي.
ولهذه الفجوة أثر عملي مباشر في صياغة السياسات والمواقف. فاللاعبون الإقليميون الذين يُقرؤون المشهد بعدسة التحليل الغربي سيُقدّرون أن ثمة هامشاً أمريكياً لا يزال قابلاً للتوظيف. أما الذين يُقرؤونه بعدسة التحليل الإقليمي فسيُبادرون إلى إعادة ترتيب تحالفاتهم قبل أن ينتهي الحدث لا بعده. والفارق بين الإدراكين قد يصنع سياسات مغايرة تماماً، وإن انطلقت من الوقائع ذاتها.
خاتمة
ما يجمع القراءتين في النهاية أكثر مما يُفرّق بينهما: كلاهما يُقرّ بأن عالم ما بعد هذه الحرب لن يكون عالم ما قبلها، وأن الديناميات التي أُطلقت ستستمر في إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي لسنوات. الفارق أن إحداهما تقول ذلك بنبرة الإنذار، والأخرى بنبرة السجل. وفي المسافة بين الإنذار والسجل يقع الفارق الحقيقي بين ثقافتين في قراءة القوة وتحولاتها.
The post ما بعد الزلزال :قراءتان في انكفاء القوة الامريكية . appeared first on Beirut News Center.





