ما بعد البحر: هل ينتقل توتر هرمز إلى البر؟
يعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، ومع كل انسداد في أفق الدبلوماسية، يبرز التساؤل حول احتمالات انزلاق التوتر من البحر إلى البر. إن فرضية تحول الجزر المنتشرة في المضيق إلى منصات لانطلاق عمليات برية يقودها الحرس الثوري الإيراني تجاه دول خليجية مثل الإمارات أو الكويت، تظل سيناريو يثير القلق، لكن إخضاعه للمنطق العسكري والجيوسياسي يكشف عن تعقيدات تجعل تحققه أمرا محفوفا بالمخاطر الهائلة وغير المجدية استراتيجيا.
من الناحية الجغرافية، تمنح هذه الجزر ميزة استراتيجية في المراقبة والتحكم بالمرور البحري، إلا أنها تظل نقاطا معزولة وصغيرة المساحة، مما يجعلها أهدافا ساقطة عسكريا في حال نشوب نزاع واسع؛ إذ تفتقر للعمق الدفاعي والغطاء الطبيعي ضد الضربات الجوية المركزة. وبالتالي، فإن استخدامها كنقاط انطلاق لعمليات برية يتطلب تفوقا جويا وبحريا كاملا، وهو ما تفتقر إليه المعادلة الحالية في ظل الترسانات الدفاعية المتطورة لدول الخليج والوجود العسكري الدولي المكثف.
علاوة على ذلك، يصطدم سيناريو الاجتياح المحدود بعقبة الدعم اللوجستي؛ فالقوات التي قد تنفذ إنزالا ستحتاج إلى خطوط إمداد مستمرة عبر مياه ستكون تحت نيران الأساطيل الدولية والطائرات المقاتلة. إن أي تحرك بري، مهما كان حجمه، يمثل تجاوزا للخطوط الحمراء التقليدية، وسينقل الصراع من إطار المناوشات البحرية التي يمكن احتواؤها، إلى إطار الغزو الذي يستوجب ردا دوليا جماعيا لحماية أمن الطاقة العالمي والسيادة الوطنية للدول.
لذلك، تميل التحليلات الاستراتيجية إلى استبعاد المواجهة البرية المباشرة لصالح أنماط حرب المنطقة الرمادية. هذا النوع من الصراع يعتمد على أدوات لا تترك بصمة واضحة تبرر حربا شاملة، مثل استخدام الطائرات المسيرة، الهجمات السيبرانية، وزرع الألغام البحرية الذكية، أو تفعيل الوكلاء الإقليميين. هذه التكتيكات تتيح للطرف المصعد ممارسة الضغط الأقصى ورفع تكاليف التأمين والملاحة، مع الحفاظ على مسافة أمان تمنع الانتحار العسكري.
في الختام، يظل الحديث عن مواجهة برية تنطلق من جزر المضيق مجرد فرضية نظرية في مراكز الأبحاث أكثر منها خطة عسكرية قابلة للتطبيق على أرض الواقع. فالمنطقة محكومة بتوازن رعب دقيق، حيث تدرك جميع الأطراف أن تكلفة الحرب البرية ستتجاوز بمراحل أي مكاسب سياسية قد تتحقق من تعثر المفاوضات، مما يجعل الاستنزاف غير المتكافئ في البحر والجو هو الخيار الأكثر ترجيحا في حال قررت القوى الإقليمية الذهاب إلى حافة الهاوية




