ليبيا حين تتحول الفوضى إلى مشروع سياسي
بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
نحن الليبيين لا يمكن أن تلهينا الحرب في منطقة الخليج، برغم ما يمثله العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، وبرغم موقفنا في إدانة هذا العدوان والمواجهة التي تلحق به.
عجرفة هذه القوة، ووسائل الكذب التي يقوم بها ترامب، والتهديدات التي يطلقها بين الحين والآخر، تثبت زيفها، ثم يتراجع عنها تحت وطأة المقاومة واستهداف وجود قواعده في كل من الكويت وقطر والبحرين ومناطق أخرى. وتحاول هذه القواعد التصدي للصواريخ والطيران المسيَّر في طريقه إلى الكيان الصهيوني، ما يجعل بعض دول الخليج تساير العدو الصهيوني والعدوان الأمريكي بزيف صراخها بأنها تتعرض للهجوم من قبل إيران. والحقيقة أن صواريخ إيران تستهدف المواقع الأمريكية والقواعد التي تنطلق منها عمليات قصفها، وهي محاولة مضحكة وغير قابلة للتصديق، فضلًا عن كونها محاولة لصرف الانتباه عن هذا العدوان الإرهابي.
وقد تعرضت بلادنا ليبيا لهذا الوضع، في ظل سلطات سياسية مجرمة تتحكم في البلاد، وباعت سيادتها للخارج وكرامة شعبها، ولا تزال تتقوى بالأجنبي، ما يتطلب من الليبيين الاهتمام الأوحد بقضيتهم الوطنية التي تعيش مأساة حقيقية على كل الأصعدة، من انقسام سياسي بوجود حكومات موازية، وصراع دائم بين مجلس النواب ومجلس الدولة، إلى صراع حاد داخل كل مجلس لم يتوقف. ويستمر الحال بوجود حكومة تبسط سلطتها على أغلب التراب الليبي، وأخرى غارقة في الفساد تسيطر على العاصمة طرابلس، تبتزُّ بالميليشيات وتحاول عسكرة العاصمة، وتستعين بالخارج، فتستجدي دعم الولايات المتحدة وتلجأ إلى تركيا طلبًا لمزيد من الدعم، عبر قواتها وقواعدها المتواجدة في الوطية ومصراتة وطرابلس والخمس. وقد ثبت تواصلها مع الكيان الصهيوني، في محاولات للبقاء في السلطة ضمن مشهد عبثي، غير عابئة بالمصلحة الوطنية، وهو في حد ذاته جريمة سياسية تتطلب من الليبيين الوقوف لإسقاطها ومحاسبتها.
ولم يتوقف الحال عند هذا المستوى السياسي الفاضح، بل تعدى إلى الجانب الاقتصادي، حيث دُمِّرت حياة الليبيين ومعيشتهم، ووصلت إلى أسوأ حال بانهيار الدينار الليبي إلى أدنى مستوى له، ما ينذر بدولة مفلسة ماليًّا ومنهارة اقتصاديًّا، يصاحب ذلك فقدان السيولة في المصارف، وارتفاع الأسعار في الأسواق، وتأخر صرف المرتبات.
كما تفاقمت أزمة العلاج، من نقص وغلاء الأدوية، وابتزاز المصحات الخاصة للمرضى بأسعار فاحشة، مع افتقار الخدمات الصحية المناسبة، ما جعل الليبيين عرضة لفقدان العلاج في المستشفيات العامة، واضطرارهم إلى تحمل تكاليف العلاج في الخارج، في ظل انهيار قيمة الدينار الليبي إلى أدنى مستويات الصرف في السلوم وبنقردان والمشير وسوق الدولار في الحدايق وبورصة زليتن.
أما الجانب الأمني، فيستمر الصراع القتالي في المنطقة الغربية، لا سيما في الزاوية الغربية، بالاقتتال في الشوارع والأحياء بين ميليشيات محلية وتنظيمات جهوية، وفي الجنوب تُدفع الأموال للاعتداء على القوات المسلحة العربية الليبية لأهداف معروفة تهدد الأمن والاستقرار. كما تستمر المافيا الاقتصادية، من فساد مالي وتهريب، دون توقف، ما يزيد من معاناة المواطن ويثقل كاهله. ومن هنا، يتطلب الأمر شدَّ الانتباه إلى هذه الأوضاع السيئة التي تدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام والفوضى، وهو ما يعكس مشروعًا يكتسب قوته من القوى المحلية التي جعلت منه أداة للحكم والسلطة. ولم يعد هذا الوضع أمرًا عارضًا، بل أصبح مشروعًا لإدارة البلاد، يكتسب مشروعيته من الفوضى ذاتها، ويمنح من في المشهد فرصة تحقيق طموحه في الهيمنة على مقدرات الدولة، ولو على حساب ما تبقى من وجودها المنهك في الخمول والضعف.
The post ليبيا حين تتحول الفوضى إلى مشروع سياسي appeared first on الموقف الليبي.




