... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
223388 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7761 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

ليبيا فراغ السلطة وغياب الفكرة

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/20 - 10:10 501 مشاهدة


بقلم/ فرج بوخروبة


ليبيا ليست مجرد بلد مأزوم، بل مختبر حي لأزمة الدولة العربية حين تفقد معناها ووظيفتها في آن واحد، حيث لا تعود السياسة إطارًا لإدارة الخلاف، بل تتحول إلى ساحة لإدامته، ولا يبقى الاقتصاد وسيلة للإنتاج، بل أداة لإعادة توزيع النفوذ، فيما تنسحب الثقافة من دورها التأسيسي لتتحول إلى صدى باهت لانقسامات المجتمع. في هذا التشابك المعقد، لا يمكن فهم الأزمة الليبية بوصفها نتيجة ظرف عابر، بل كحالة بنيوية تعكس غياب المشروع الوطني الجامع، ذلك المشروع الذي يمنح الدولة مبرر وجودها، ويمنح المجتمع سرديته المشتركة. منذ سقوط النظام السابق، لم تفشل القوى المتصارعة في بناء دولة فحسب، بل أنتجت ما يمكن تسميته بفراغ مستقر، حالة لا تنهار بالكامل ولا تستقر، تتعايش فيها حكومات متوازية وكيانات مسلحة متنازعة، بينما يظل المواطن عالقًا في مساحة رمادية بين وعود لا تتحقق وواقع لا يتغير، فيتآكل الإحساس بالانتماء تدريجيًّا لصالح انتماءات أصغر وأكثر صلابة.
هذا الفراغ لم يكن سياسيًّا فقط، بل امتد ليصوغ شكل الاقتصاد وحدود الثقافة. ففي الاقتصاد، تحولت الثروة النفطية من فرصة تاريخية لبناء دولة حديثة إلى محور صراع مفتوح، حيث لم تعد عائدات النفط تُدار وفق رؤية تنموية، بل تُستخدم كأداة تفاوض بين مراكز قوى متعددة، ما جعل تدفقها ذاته رهينة للتوازنات السياسية لا للحاجات الاقتصادية. بهذا المعنى، لم يعد النفط موردًا اقتصاديًّا بقدر ما أصبح “عملة سلطة”، تُوظَّف لضبط الولاءات وإعادة إنتاج النفوذ، الأمر الذي أفرز اقتصادًا ريعيًّا مغلقًا، تُقصى فيه المبادرات الفردية وتُحاصر فيه أي محاولة لبناء قاعدة إنتاجية مستقلة. ومع مرور الوقت، تشكلت طبقة طفيلية مرتبطة بمفاصل السلطة، تستفيد من استمرار الوضع القائم أكثر مما تسعى إلى تغييره، بينما وجد المواطن نفسه أسيرًا لعلاقة تبعية مزدوجة: يعتمد على الدولة في دخله، في حين تعتمد الدولة على صراع مفتوح لضمان بقائها، فتغيب الحلقة التي تربط العمل بالإنتاج، ويُستبدل بها منطق الغنيمة.
أما الثقافة، فقد كانت الضحية الأكثر صمتًا في هذه المعادلة، إذ لم تعد قادرة على إنتاج خطاب جامع يعيد تعريف الهوية الوطنية، بل تراجعت أمام صعود سرديات جزئية تعكس الانقسامات القبلية والمناطقية. في غياب مشروع ثقافي وطني، لم يعد هناك إطار رمزي يوحد الليبيين حول فكرة مشتركة، فتفككت الذاكرة الجماعية، وتراجعت القدرة على تخيل مستقبل موحد. هذا الفراغ السردي لا يقل خطورة عن الفراغ السياسي، لأنه يفتح المجال أمام ثقافة العنف بوصفها بديلًا عن الحوار، ويجعل الانقسام يبدو طبيعيًّا لا استثنائيًّا، بل ومبررًا أحيانًا. حين تفقد الدولة قدرتها على أن تكون قصة يصدقها الناس، تتحول إلى مجرد هيكل إداري هش، يمكن الالتفاف عليه أو تجاوزه دون شعور بالخسارة.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي أعمق من مجرد البحث عن وحدة سياسية أو تسوية مؤقتة، إذ يتعلق بإمكانية إعادة تعريف الدولة نفسها. الدولة الليبية المقبلة لا يمكن أن تكون استنساخًا لتجارب سابقة، بل تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يوازن بين مركزية قادرة على إدارة الموارد السيادية، ولامركزية تعكس الواقع الاجتماعي المتعدد دون أن تنزلق به نحو التفكك. هذا التوازن لا يمكن تحقيقه عبر نصوص دستورية فقط، بل يتطلب إعادة بناء الثقة بوصفها الأساس غير المكتوب لأي نظام سياسي مستقر. الشرعية هنا لا تُختزل في الانتخابات أو الإجراءات الشكلية، بل تتجسد في قدرة الدولة على تقديم خدمات ملموسة، وضمان حد أدنى من الأمان، وخلق إحساس عام بالعدالة. حين يشعر المواطن أن الدولة تحميه وتخدمه، تتحول الشرعية من مفهوم نظري إلى تجربة يومية.
ليبيا اليوم تبدو كأنها عالقة في زمن معلَّق، لا هي قادرة على العودة إلى ما كانت عليه، ولا هي نجحت في العبور إلى ما يمكن أن تكونه. لكنها، في الوقت ذاته، ليست حالة ميؤوسًا منها، بل لحظة اختبار تاريخي مفتوحة على احتمالات متعددة. فالأزمات الكبرى، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصة لإعادة التأسيس، شرط أن تمتلك النخب القدرة على تجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، وأن يُعاد توجيه الموارد من كونها أدوات صراع إلى كونها محركات بناء. تحويل النفط من مصدر للابتزاز إلى رافعة إنتاج، وإعادة الاعتبار للثقافة بوصفها فضاءً لصياغة هوية جامعة، وبناء مؤسسات تستمد قوتها من أدائها لا من تحالفاتها، كلها خطوات لا تبدو سهلة، لكنها ممكنة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.
في النهاية، لا تكمن أزمة ليبيا في تعدد الفاعلين بقدر ما تكمن في غياب الفكرة التي تجمعهم، ولا في وفرة الموارد بقدر ما تكمن في طريقة إدارتها، ولا في تنوع المجتمع بقدر ما تكمن في العجز عن تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة. فالدول لا تفشل فقط حين تُهزم في الحروب، بل حين تعجز عن إقناع مواطنيها بأنها تستحق الاستمرار. ليبيا تقف اليوم عند هذا الحد الفاصل: إما أن تعيد اختراع نفسها كفكرة وطنية قابلة للتصديق، أو أن تستمر كواقع مفكك يتعايش معه الجميع دون أن يؤمن به أحد، وحينها لا يعود السؤال عن المستقبل، بل عن القدرة على امتلاك أي معنى له.

The post ليبيا فراغ السلطة وغياب الفكرة appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤