ليبيا بين قرارات مجلس الأمن واستمرار الانقسام السياسي
بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
ذكَّرتنا بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بعد أربعة عشر عامًا من قرارات مجلس الأمن المشؤومة، المبنية على كذب المجتمع الدولي ونفاق الجامعة العربية في شرعنة هذا المجلس، بادعاءات واهية تتعلق بمسببات مغلوطة لإصدار هذه القرارات الظالمة، تحت القصف الناري من قبل الحلف الأطلسي والأنظمة السياسية الخليجية، وفي مقدمتها دويلات العمالة التي يحتقرها الشعب الليبي، ويتابع حاليًا انهيار معنوياتها وسقوطها في حالات من الخوف والذعر نتيجة تعرضها لتصدي الصواريخ فرط الصوتية المتجهة إلى الأرض المحتلة. الأمر الذي جعل الليبيين ينظرون إلى حالة هذه الدويلات على أنها نتيجة لما قدموه من دعم للمؤامرة على بلادنا وشعبها العربي ونظامها السياسي الوطني.وهنا أعاد مجلس الأمن، في الرابع عشر من هذا الشهر، اعتماد قراره بالإجماع رقم (2019 لسنة 2026)، الذي مدَّد ولاية فريق الخبراء ونظام العقوبات المفروضة على ليبيا حتى أغسطس 2027. وأبقى القرار على التدابير المتخذة ضد صادرات النفط غير المشروعة، وحظر الأسلحة لتعزيز الاستقرار الإقليمي، كما ذهب القرار. وهذا، للأسف، يمنح الدول الأعضاء صلاحيات، فبدلًا من تفتيش ومراقبة الموانئ، تقوم بعض هذه الدول باحتلال كامل للموانئ والمنافذ، بالتعاون مع سلطات هي في الأساس تدير الشأنين السياسي والاقتصادي، إلى جانب الشريك الرئيسي في العبث بالسلعة الأساسية ذات المورد السيادي للشعب الليبي، والتي أصبحت تحت أيدي العبث خارج القانون إدارةً وإنتاجًا، وخارج أسس الانضباط.
تتحمل الحكومات المتتالية مسؤولية الإفراط في استنزاف ثروة الشعب الليبي، ومهما كان من دور للجنة العقوبات، فإن الأجسام السياسية القائمة والموازية تتحمل مسؤولية العبث وكل أعمال الفساد، بما فيها نهجها النزاعي، وقيامها بالمخالفة، والتربص خلف مشاريع التجزئة والانقسام السياسي، بوجود أجسام ومنظمات ومؤسسات موازية. وإن كان الضغط الخارجي لتوحيد الميزانية قد يوفر انفراجًا شكليًّا، إلا أنه لن يكون فعالًا في ظل استمرار الانقسام الممنهج، الذي يقف خلفه المجتمع الدولي بعوامل إطالة أمد الحالة الليبية الناتجة عن هذا التدخل.وهذا الانقسام يجعل تعدد هذه الأجسام عاملًا لاستمرار إدارة الشأن العام ضمن منافع مادية مرتبطة بالفساد والمال العام، ويغطي استمرارها في التشبث بسلطة الانقسام السياسي.
ورغم أن قرار مجلس الأمن جاء بصيغة المحافظة على مصالح الشعب الليبي وتحقيق الاستقرار والأمن والسلام في ربوع البلاد، فإن المجلس مطالب، وفق ميثاق الأمم المتحدة، بأن يلجم بعض دوله عن رفع اليد في التدخل في الشأن الليبي، أو جعل دول إقليمية تدير المشهد الليبي لصالحها.ويصل الأمر إلى حد اختراق بعض هذه الدول لقرارات المجلس، حيث تحولت إحداها، وهي تركيا، إلى ما يشبه دولة استعمارية تحتل موانئ وقواعد عسكرية، وتشن حروبًا على القوات المسلحة العربية الليبية، باعتبارها المؤسسة السيادية الوحيدة، وتقف وراء نهج أقرب إلى الهيمنة على الأرض، داعمةً لمنظمات أقرب إلى الأشكال شبه العسكرية، رغم وجود محاولات لتوحيدها. وهو ما يجعل توحيدها أمرًا ضروريًّا يتطلب من مجلس الأمن مسؤولية كبح جماح الدول الإقليمية، وإلزامها بمغادرة الشأن الليبي فعليًا دون مزيد من التدخل.
كما أن دور بعض الدول الإقليمية، مثل قطر ماليًّا وسياسيًّا، وتركيا عسكريًّا، بما في ذلك اعتمادها على أذرع عسكرية تتمثل في وجود مرتزقة من التركمان والسوريين، يهدد أي محاولة لعودة شمل الدولة الليبية سياسيًّا وجغرافيًّا، ويُصعِّب من قيام مؤسسات سياسية موحدة.
وقد يكون لقرار مجلس الأمن هذا فاعلية في منع المزيد من التغول على المال العام ومصادره من ثروة النفط وعائدات الاستثمارات النفطية والمالية، التي أصبحت عرضة للفساد والنهب. إلا أن ذلك لن يتحقق إلا بالتوجه إلى حالة سياسية جديدة، يقوم فيها مجلس الأمن بإصدار قرارات تنفيذية تُلزم الدول والأجسام الليبية المتصارعة بنهج سياسي ينهي هذا الانقسام السياسي والعسكري والأمني، وفق عملية سياسية تمكِّن الشعب الليبي من اختيار سلطة وإدارة وطنية بطريقة ديمقراطية.ويجب أن يصاحب ذلك جلاء جميع أشكال الوجود العسكري الخارجي عن أرض الوطن، وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، مع تشكيل سلطة سياسية موحدة مؤقتة تشرف على انتخابات برلمانية ورئاسية عاجلة، تمهيدًا لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وخروج ليبيا من حالة التجزئة والفوضى والفساد والصراعات الجهوية.وكفى بهذا العبث الذي وُضعت فيه البلاد من قبل ما يُسمى بالمجتمع الدولي.
The post ليبيا بين قرارات مجلس الأمن واستمرار الانقسام السياسي appeared first on الموقف الليبي.



