... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
180675 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9183 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

لطفيّة الدليمي: ما تركتْهُ فينا لا ما تركتْهُ لنا

طعام
المدى
2026/04/14 - 21:04 501 مشاهدة

عبد السلام صبحي طه*
لم تكن في نيّتي الكتابة عن لطفيّة الدليمي الآن؛ لا لأنّ في القلب شيئًا من غصّة فحسب؛ وإنما لأنّ الفقد الحقيقي يُربكُ اللسان، ويُفقِدُ الكلمات جرأتها، ويجعلها أضعف من الإحاطة بما لا بدّ من قوله. ومع ذلك، لا مفرّ من هكذا استذكار، وإنْ على عجل، لشيءٍ من ذاكرةٍ عصيّةٍ على الاختزال. واليوم، وبعد أن خفّ وقعُ النصوص التأبينية، قرّرْتُ أن أكتب عنها، بعيدًا عن تجربتها كروائية أو مترجمة؛ فهناك مَنْ هو أبلغُ مني في ذلك، بل من وحْي «كُرّاساتي العَمّانية» -على غرار عنوان كتابها «كُرّاساتي الباريسية» - لأستعيد قبسًا من تلك السنوات. أشعرُ أنّ اللغة لا تزال تعاني اختناقًا، وتفشل في إيصال ما أود قوله؛ لا لغياب المعنى، بل لأنّه يفوق قدرة النص على الاحتمال.
متى كان أوّلُ لقاء بيننا؟ كان في أمسية عَمّانية خريفية عام 2011، حيث أقيمت احتفالية تكريم مبدعي العراق، في فندق الرويال، دُعيتُ حينها برفقة أستاذي الآثاري العراقي الدكتور بهنام أبو الصوف رحمه الله. لمحْتُها. كانت تجلسُ مع آخرين حول طاولة في ركنٍ هادئ، لا في الصفوف الأماميّة كما يحلو للبعض. اقتربَ منها د. أبو الصوف وقدّمَنا لبعضنا. حينها أتذكّرُ أنني سجّلتُ في كرّاسي: التقيتُ للمرة الأولى بامرأةٍ كانت تملأ المكان بحضورها قبل أن تنطق بحرف. وحين أشار إليها، ارتسمَتْ على وجنتيها ابتسامةٌ أنيقة، قلت في نفسي: هذه سيدة لا تُنسى.
في ربّة عمّون (الاسم القديم للعاصمة الأردنية عمّان) - تلك المدينة التي احتوت غربتنا بحنوّ دافئ - لم تكن السيدة الدليمي مجرّد كاتبة، بل كانت صالونًا أدبيًّا متنقلًا؛ فبفضلها، تعرّفتُ إلى نُخبة من أدباء العراق والعالم العربي، ممّن لم يكن لي أن ألتقيهم لولاها. كانت تمتلك عينًا كعدسةٍ محترفة، تُريك ما لا يُرى عادةً، وبوصلةً تعيدُ توجيهك حين تضِلُّ الطريق. من جملة ما أتذكّر، زياراتُنا إلى مهرجانات الهيئة الملكية للأفلام؛ كنا نتّفق على العروض التي سنحضُرُها معًا على مُدرّجات المسرح الصيفي، ثم نمضي بعد العرض إلى شارع الرينبو، نمشي ونناقِشُ الفيلم كما لو كنّا نعيدُ تركيبه من جديد، أو نتوقّفُ عند ما صرّح به المخرج. كنتُ أوصِلُها إلى منزلها، وفي داخلي شعورٌ بأنني أودّعُ مكتبةً سينمائية ناطقة. وبعد يومٍ أو يومين، تفاجئني بدعوةٍ لمقهى تحبّه، لا لشيء سوى أن نتشارك كوب شاي، وحديثًا يمتدّ بلا تكلّف. وكانت تُصرّ دومًا، بترفعها المعهود، على أن تكون هي المضيفة. لم تكن سيّدتي لطفية - كما كان يحلو لي أن أناديها بكاهنة نيسابا - تُصدِرُ كتابًا إلا وتخصني بنسخة ممهورة بتوقيعها. لم يكن ذلك مجرّد إيماءة عابرة بالنسبة لي، بل كان اعترافًا صامتًا بقيمة العلاقة.
أكثرُ ما يستوقفُني - وربما يشاركني به كثيرون - أنّها كانت ترى في الآخر ما قد لا يراه في نفسه؛ تستشعرُ الموهبة الكامنة، فتتقدّمُ نحوها بهدوء، وتتبنّاها دون إعلان. ولِمَنْ له باعٌ في عالم الحرف والكلمة، ويستند إلى عقودٍ من الخبرة، كما كان الحال لدى السيدة الدليمي، فإنّ الفراسة لا تخيب. كانت حريصة على ترك أثرٍ فعلي في حياة الآخرين، كما كانت تحدّثُنا عن شغفها بحديقتها الأثيرة في منزلها البغدادي الذي غطّاه رمادُ الحروب. ولعلّها، على هذا النحو، كانت تتعامل معنا - نحن أصدقاءها - كنبتاتٍ تحرصُ على سقيها ورعايتها بهدوء، ولعلّي لا أبالغ إنْ قلتُ إنّ حضورها في حياتنا كان أقرب إلى تجسيدٍ حيّ لفكرة الإلهة-الأمّ في المخيال الأسطوري الرافديني، الأمّ التي تمنح وتُنمّي دون ضجيج؛ فهي حين رأت في مشروعي الآثاري ما يستحق، لم تتردّد. وكان من دواعي سروري أن يقترن اسمُها باسمي في كتابين من إصداراتي قامت بمراجعتهما لغويًّا: «مذكرات الآثاري العراقي الدكتور بهنام أبو الصوف» (دار المدى- 2014)، و«العراق القديم – الأطلس التاريخي المصوّر» (دار الرافدين- 2020). لم تكن مساهمتها تلك مجاملة، بل إيمانًا معرفيًّا خالصًا.
ولعلّ أقلّ ما يمكن أن يُنصف هكذا سيرة، أن تُقرأ بوصفها مشروعًا ثقافيًّا متكاملًا، يستحق أن يُصان ويُسمّى باسمها؛ فسيدةٌ واصلت عملها، منذ بواكير شبابها حتى أيامها الأخيرة - إذ نشرت مقالها الأخير المعنون «نعمةُ العيش بقلبٍ لا يعرفُ الضغينة» في 1 شباط 2026 - بهذه المثابرة النادرة وذلك العزم، لا يمكن اختزالها في جهدٍ فرديٍّ عابر، بل في أثرٍ ممتد، يشبه خليةَ نحلٍ قائمةً بذاتها.
أتذكّرُ مكالمتنا الأخيرة إبّان جائحة كورونا. حين أخبرتُها أنّ فرصةً أُتيحت لي لمغادرة عمّان، أصغت، ثم قالت بحسمٍ هادئ: «يا ابني، أنا أعلم أنّك مستمتعٌ بحياتك هنا؛ ولكن أنظُرْ من النافذة الأمامية لحياتك. المستقبل هناك أهمُّ لك ولعائلتك». لم تكن نصيحة عابرة بل رؤية أبعد من اللحظة. لم أكن أعلمُ حينها أنّ تلك الكلمات ستكونُ وداعَنا الأخير.
رحلتِ يا سيدتي لطفية، وأخذتِ معكِ قطعةً من عمّان التي عرفْتُها بكِ، وبقي في القلب حزنٌ لا يُقال.
* كاتب عراقي

The post لطفيّة الدليمي: ما تركتْهُ فينا لا ما تركتْهُ لنا appeared first on جريدة المدى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤