لنلقِ نظرة أخرى على ذلك الصوت «الخطير» الصاعد من أوروبا

محمد أجيت - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
تجلس السياسية الألمانية أورسولا فون دير لاين منذ فترة طويلة على مقعد رئاسة المفوضية الأوروبية.
وبما أن رئاسة المفوضية تمثل الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، فإنها تُعتبر، بمعنى ما، بمثابة منصب رئيس وزراء الاتحاد الأوروبي.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اعتبار الكلمات التي قالتها فون دير لاين الأسبوع الماضي خلال فعالية شاركت فيها في هامبورغ، حين قالت: «علينا أن ننجح في استكمال القارة الأوروبية حتى لا تقع تحت التأثير الروسي أو التركي أو الصيني»، كلمات يمكن إهمالها أو تجاوزها.
وعقب هذه التصريحات، أُجري اتصال من أنقرة بمساعدتها، وتم توجيه رسالة مفادها أنه إذا لم يتم تصحيح هذه الكلمات فسيُرد عليها، بل وقد يتم تصعيد التوتر إذا لزم الأمر.
وعلى الرغم من حدوث تراجع لاحقًا، فإن فون دير لاين نفسها لم تصدر أي تصحيح، ولذلك لا يبدو ممكنًا النظر إلى هذه الكلمات على أنها مجرد «زلة لسان».
1- الانزعاج من الوجود التركي في قبرص…
إن نظرة فون دير لاين، وإن كانت تُبعد تركيا عن منظور العضوية، فإنها تعكس أيضًا ابتعادًا عن الموقف الأوروبي السابق الذي كان، عبر مفاهيم مثل «الشراكة المميزة»، يرغب في إبقاء تركيا «إلى جانب» أوروبا بطريقة ما، بل إنها تعكس ميلًا إلى النظر إلى تركيا كدولة «خصم»، وليس فقط إبقاءها في منطقة حياد.
ومن هذه الناحية، فإن هذا الموقف «الجديد» ليس لافتًا فحسب، بل وخطير أيضًا.
هناك صورة قائمة أمامنا.
دعونا أولًا نُظهر أجزاء هذه الصورة، ثم إن الصورة الكاملة ستُظهر نفسها بالفعل.
لقد جاءت تصريحات أورسولا فون دير لاين هذه قبل انعقاد القمة غير الرسمية لقادة الاتحاد الأوروبي، التي استمرت يومين الأسبوع الماضي في الشطر الرومي من قبرص الجنوبية.
ومن خلال حديثها عن «استكمال القارة الأوروبية»، واعتبارها تركيا واحدة من التهديدات المقابلة لذلك، يمكننا أن نستنتج أن الأمر مرتبط بموقع تركيا في جزيرة قبرص.
وأحد أجزاء هذه الصورة هو تولي الإدارة القبرصية الرومية الجنوبية الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي.
وهذا يعني أن هذه المرحلة ستُستخدم «كأداة» لإبقاء التهديدات «التقييدية» الموجهة من أوروبا نحو تركيا على جدول الأعمال.
وفي هذا السياق، تقف رسائل الدعم التي وجهها الرئيس الفرنسي ماكرون إلى اليونان ضد تركيا في موضع موازٍ لرسائل فون دير لاين.
2- الانزعاج من الانفتاحات الإقليمية لتركيا…
ومن الأجزاء اللافتة في الصورة أيضًا، ما يتعلق بالضيوف القادمين من دول الشرق الأوسط إلى القمة التي عُقدت في الشطر الرومي من قبرص.
ففي الاجتماعات التي جرت ضمن إطار القمة، جرى تناول ملفات الاستقرار الإقليمي والدبلوماسية والأمن، بمشاركة قادة مصر ولبنان وسوريا والأردن، إلى جانب ممثلي مجلس التعاون الخليجي.
وأثناء التقاط الصورة الجماعية، جرى التأكيد على عبارة «شركاؤنا من الشرق الأوسط».
ولا يمكن قول شيء حتى هذه النقطة بالطبع.
لكن عندما تضع هذه الصورة إلى جانب المبادرات التي تقودها تركيا مع هذه الدول، والتي تمتلك منظورًا قويًا للأهداف، فإن كلمات فون دير لاين قد تتبادر إلى الذهن مرة أخرى.
3- الولايات المتحدة تدعم، وأوروبا تحاول العرقلة.. كيف ستسفر تحركات أنقرة الجديدة؟
تسعى تركيا منذ فترة إلى إنشاء حلف إقليمي ونظام جديد قوي، بمشاركة دول مثل مصر وسوريا والسعودية والإمارات العربية المتحدة وباكستان وقطر.
ورغم أنها تحرص على المضي قدمًا من دون الظهور بمظهر الدولة المهيمنة أو المتحكمة، ورغم أنها تتعامل مع هذه الدول على أساس «الندية»، فإنها في جميع الأحوال مبادرة تعزز «مجال النفوذ» التركي بشكل قوي.
ويمكننا التحقق من صحة ما أقوله من خلال المقاربة الدافئة الموجودة في الدول التي ذكرتها.
لكن أعتقد أن هناك أمرًا آخر يثير انزعاج شخصيات مثل فون دير لاين وماكرون إلى حد كبير هنا.
وهو أن الإدارة الحالية في الولايات المتحدة تدعم أيضًا هذه التحركات.
فإدارة ترامب تواصل اعتبار إقامة نظام في الشرق الأوسط لا يسبب صداعًا للولايات المتحدة هدفًا ينبغي الحفاظ عليه.
والفرق هنا عن الإدارة السابقة يتمثل في النقطة التالية:
فبينما كانت الإدارة السابقة والرؤية الأمريكية القديمة تعتبران التحركات الإقليمية للسياسة الخارجية التركية تهديدًا، فإن الإدارة الحالية تراها فرصة.
وفي أنقرة، يُنظر إلى هذا الوضع على أنه «لحظة/فرصة ترامب»، ويتم العمل على تنفيذ عدد من السياسات الجديدة للاستفادة من هذا الوضع بصورة إيجابية.
أي أن الأمر لا يقتصر على سعي أنقرة وحدها إلى إقامة نظام إقليمي، بل إن هناك أيضًا موقفًا داخل الإدارة الأمريكية الحالية يدعم الدور الريادي الذي تُظهره أنقرة لدى الدول الإسلامية الأخرى في المنطقة.
وهذا يمثل أيضًا أحد أجزاء الصورة التي تحدثت عنها أعلاه.
ومن الممكن هنا أيضًا رؤية آثار الانزعاج الذي تشعر به المقاربة القديمة، التي تريد إبقاء تركيا «تحت المراقبة» عبر فون دير لاين، في مواجهة هذه المقاربة الجديدة.
4- أنقرة مصممة على مواصلة خطوات النظام الجديد
حققت تركيا أكثر المكاسب الملموسة من الاستفادة من مقاربة الإدارة الحالية في البيت الأبيض في سوريا.
فقد حدث في سوريا أمر كان قليلون جدًا يرونه ممكنًا، وبفضل تموضع إدارة ترامب إلى جانب تركيا، أمكن تأمين حالة الاستقرار النسبي الحالية.
وهناك استمرار لهذا الموقف أيضًا.
فالإدارة الأمريكية تنظر بإيجابية كذلك إلى التعاون الذي تقوده تركيا مع دول تحمل صفة «الدول الإسلامية»، وعلى رأسها باكستان والسعودية ومصر، وإلى مساعي إنشاء تحالفات جديدة معها.
وهذا المسار يتمكن من التقدم إلى حد ما بفضل الارتياح الذي يوفره هذا الوضع.
ورغم أن هجوم الولايات المتحدة على إيران إلى جانب إسرائيل قد سمّم هذا المسار إلى حد ما، فإن المشروع لم يتم التخلي عنه.
ورغم أن مسألة «انعدام الثقة» بين دول المنطقة ما تزال أكبر مشكلة قائمة، فإن الديناميكيات التي تغذي مشاعر الثقة ما تزال فاعلة أيضًا ضمن هذا المسار.
إن هذه التحركات تعني البحث عن نظام جديد، وإذا أمكن بناء مثل هذا النظام، فإن ذلك سيعني توسع مجال النفوذ التركي بدرجة هائلة.
وفي هذه الحالة، يمكن بكل تأكيد التفكير في أن وضع فون دير لاين لتركيا، إلى جانب الصين وروسيا، ضمن فئة «التهديد»، يستند إلى مثل هذه الخلفية.




