لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
بعد أن خاض السوريون حرباً طويلة ضد نظام الأسد وحلفائه، وفي مقدمتهم إيران وميليشياتها، وجدوا أنفسهم في مواجهة إرثٍ ثقيل من الصراع والمعاناة والدمار والانهيار على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية الأمنية والعسكرية والخدمية. وفي الوقت ذاته، ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، بوصفه عدواً تقليدياً على الحدود، يمارس أشكالاً متكررة من العدوان. وضمن هذا السياق المركّب، تبدو شريحة واسعة من السوريين ميّالة إلى اتخاذ موقفٍ يقوم على الابتعاد عن الاصطفاف، ومحاولة البقاء على مسافة واحدة من الاشتباك الأخير بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران وميليشياتها في العراق ولبنان من جهة أخرى. ويشير عالم السياسة الأميركي صموئيل هنتنغتون إلى أن المجتمعات التي تمر بتحولات عميقة تعيد تشكيل تفضيلاتها السياسية انطلاقاً من التجربة التاريخية، وما اختزنته الذاكرة من قصص وأحداث. وفي الحالة السورية، أسهمت سنوات الثورة السورية ضد نظام الأسد في إعادة ترتيب الأولويات بعد رحيل هذا النظام في الثامن من كانون الأول عام 2024؛ إذ باتت قضايا الاستقرار الداخلي وإعادة بناء الدولة تتقدّم على الانخراط في صراعات إقليمية، في تعبيرٍ عن تكيف سياسي واجتماعي فرضته مرحلة ما بعد سقوط النظام. ولا يمكن فهم الموقف الحكومي والشعبي – في سوريا الجديدة – من إيران دون استحضار دورها خلال الثورة السورية؛ فقد انخرطت طهران بفاعلية عبر الحرس الثوري وشبكة من الميليشيات التي شاركت في القتال بجانب نظام الأسد وجيشه في قتل الشعب السوري. وخلال سنواتٍ طويلة من العنف، وما رافقها من نزوح وتهجير وانتهاكات واسعة، ترسّخت لدى كثير من السوريين صورةٌ سلبية عن هذا التدخل وفظاعته، باعتباره جزءاً من تجربة رهيبة تركت أثراً عميقاً في الوعي الجمعي السوري. وفي هذا السياق، يُبين عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس أن الذاكرة الجماعية تتشكّل من التجارب الحيّة التي تعيشها المجتمعات، وتعيد إنتاج فهمها للواقع. وانطلاقاً من ذلك، يَغيب التعاطف الشعبي مع إيران في صراعها مع إسرائيل، إذ تستحضر الذاكرة السورية صور الحرب التي ارتبطت بدورها داخل البلاد. وفي المقابل، تمتدّ العلاقة مع إسرائيل عبر تاريخ طويل من العداء، إذ لا تزال ملامحه حاضرة في قضية الجولان المحتل منذ عام 1967، وما يمثّله من سبب من أسباب العداء المستمر. كما شهدت الأراضي السورية، في فترات قريبة (في الأيام الأولى من سقوط نظام الأسد)، ضرباتٍ عسكرية وغارات جوية استهدفت مواقع متعددة، شملت العاصمة دمشق ومناطق في الجنوب والوسط، إضافة إلى توغلات في بعض المناطق العازلة، الأمر الذي عزّز شعوراً متراكماً بالتهديد لدى السكان، ورسّخ صورة هذا العداء في الوعي العام. وبناء على ذلك، فإن الحياد السوري في الصراع الحالي لا يمكننا فهمه باعتباره انحيازاً لإسرائيل التي تحتل فلسطين وأراضٍ عربية، وإنما هو موقف مركّب ينبثق من رفضٍ مزدوج؛ للدور الإيراني المرتبط بالحرب الداخلية، والدور الإسرائيلي المتصل بتاريخٍ طويل من العداء واحتلال الأرض. ومن هذا الباب، لا يرى كثير من السوريين في إسرائيل طرفاً يمكن التعاطف معه أو بناء علاقة معه، حتى في ظل موقفهم الحاد من الدور الذي لعبته طهران داخل سوريا. وفي حقيقة الأمر، يُعدّ الإرهاق العام وحالة عدم اليقين بمستقبل الأيام في علاقة بلدهم بالوسط المحيط، من أبرز السمات التي تطبع المزاج النخبوي والشعبي في سوريا في الوقت الراهن. فقد خلّفت سنوات الصراع دماراً واسعاً في البنية التحتية، وأدّت إلى نزوح ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها، فضلاً عن خسائر بشرية واقتصادية جسيمة وفي ظل هذه التجربة المريرة، اختار السوريون اليوم تجنّب أي صراع جديد قد يعيد إنتاج دوامة العنف. وفي تفسير هذا الميل، يشير عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي إلى أن المجتمعات التي خاضت حروباً طويلة تميل إلى تقديم الاستقرار كأولوية تتقدّم على سواها من الاعتبارات السياسية. كما يلفت فرانسيس فوكوياما إلى أن الأزمات الكبرى تعيد تشكيل الرؤى السياسية والمفاهيم الأخلاقية للأفراد، بحيث تنتقل من الجانب الأيديولوجي إلى حساباتٍ تقوم على المؤسسات والمصالح العملية. وفي الحالة السورية، أسهم هذا التحول في بروز اتجاه عام يضع استقرار الدولة في صدارة الأولويات، ويعكس ميلاً واسعاً نحو الحياد النسبي في الصراع الإيراني – الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن هذا الحياد لا يعني إنكار المأساة الفلسطينية أو تجاهل الصراع العربي–الإسرائيلي، بل يعكس موقفاً أخلاقياً تشكّل تحت وطأة تجربة مباشرة مع الطرفين المتصارعين في الماضي القريب. حيث أفرزت التجربة السورية نوعاً من الحساسية الأخلاقية تجاه الصراعات، انعكس في تبدّل أنماط التعاطف والموقف العام. فبعد أن كان التعاطف الشعبي واسعاً في محطات سابقة كما في حرب العراق 2003، وحرب لبنان في تموز 2006، يبدو السوريون اليوم أقرب إلى أشكال من الفتور أو الحذر أو التحوط الأمني، ترتبط بإدراك متزايد لتعقيدات الأدوار الإقليمية وتشابكها مع المأساة السورية. وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن المزاج السوري العام يتّجه، على المستويين الرسمي والشعبي، نحو هذا النمط من الحياد الحذر؛ حياد لا يخلو من مراقبةٍ مشوبةٍ بشيء من الترقّب لما يجري. ويعكس ذلك تركيزاً متزايداً على الأولويات الداخلية، وفي مقدمتها استعادة الاستقرار وتسهيل الخدمات وإعادة الإعمار، بدلاً من الانخراط في صراعات إقليمية لا تبدو منسجمة مع احتياجات المرحلة. ويأتي هذا الحياد تعبيراً عن وعي سياسي تشكّل نتيجة التجربة، ومن رغبة في توظيف اللحظة الراهنة لخدمة مسار التعافي، وإعادة بناء ما أنهكته سنوات الحرب خلال خمسة عشر سنة. © 2023 OUROUBA22 - All Rights Reserved. © 2023 OUROUBA22 - All Rights Reserved. Developed by WhiteBeard




