... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
148922 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5041 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

لماذا تقرّب أنقرة بين دمشق وكييف في هذا التوقيت؟

العالم
ترك برس
2026/04/11 - 08:30 501 مشاهدة

د. سمير صالحة - تلفزيون سوريا

لم يكن المشهد دبلوماسيًا بروتوكوليًا، بل حدثًا يؤسس لمرحلة جديدة: وصول الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي إلى دمشق على متن طائرة تركية رسمية، وبرفقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. هذه ليست وساطة، بل إعلان عملي بأن أنقرة أصبحت شريكًا مباشرًا في طاولة تفاهمات بطابع إستراتيجي بين الثلاثي.

لا ينبع هذا التقارب من تقاطع المصالح الثنائية فحسب، بل من لحظة دولية وإقليمية مشبعة بفراغات واضحة: حرب في أوكرانيا، وارتباك في الإقليم، وتعطّل في المسارات التقليدية. الأطراف الثلاثة تسعى إلى ملء هذه الفراغات عبر بلورة آليات تعاون تتجاوز القوالب المعتادة.

يبرز أحد الأبعاد غير المعلنة لهذا التقارب في ربط الممرات الحيوية بين البحر الأسود والبحر المتوسط، بما يعزز أمن سلاسل الإمداد الغذائي والطاقوي. ولا يقتصر الأمر على البعد السياسي، بل يمتد إلى القمح والموانئ والممرات التجارية بين البحرين.

تتحول تركيا في هذه المعادلة إلى جسر عبور منظم بين حاجات سوريا وطموحات أوكرانيا نحو دور استراتيجي أعمق في الشرق الأوسط.

تحرص أنقرة على إدارة هذا المسار دون صدام مع موسكو. فتحت خط دمشق–كييف، لكنها أبقت خط تواصلها مع موسكو مفتوحًا أيضًا. قبل وصول زيلينسكي إلى إسطنبول، كان أردوغان يضبط الإيقاع مع بوتين، في رسالة واضحة أن هذا التقارب لن يُبنى على حساب روسيا.

إذا لم تكن موسكو الطرف الأكثر انزعاجًا، فإن أطرافًا إقليمية أخرى قد تنظر بقلق إلى هذا المسار كلما اتسع ليشمل مجالات أمنية وسياسية واقتصادية. والمتضرر المحتمل هنا ليس روسيا، بل إيران وإسرائيل واليونان.

مع العلم أن هذا التقارب قد لا يبقى ثلاثيًا. المسار مرشح للتوسع ليشمل شركاء إقليميين آخرين، خصوصًا من الخليج.

تقدم تركيا نموذجًا جديدًا لما يُعرف بـ"الدبلوماسية الوسيطة متعددة المستويات"، حيث تعمل على تحويل التوازنات الإقليمية إلى مكاسب إستراتيجية لجميع الشركاء. الانفتاح السوري–الأوكراني على مسار غير تقليدي يمنحها أيضًا قدرة استثنائية على التأثير في رسم قواعد اللعبة في المنطقة.

برزت زيارة زيلينسكي إلى دمشق كخطوة فارقة، تحمل إشارات عن تحولات إستراتيجية عميقة في العلاقات السورية–الأوكرانية. تأتي هذه الزيارة بعد سنوات من التباعد، التي هيأت الأرضية للتقارب الروسي–السوري، حتى نقطة التحول الراهنة. التواصل يكتسب بعدًا عمليًا إقليميًا يمتد إلى الأمن الغذائي والطاقة، إضافة إلى التعاون الاقتصادي والعسكري.

تركيا، التي استقبلت زيلينسكي وسهّلت انتقاله إلى دمشق بطائرتها الرسمية بصحبة وزير خارجيتها، تتجاوز اليوم دور الوسيط التقليدي. فهي شريك فاعل يعيد رسم خطوط التعاون بين دمشق وكييف، مع ترسيخ مصالحها الإقليمية وترسيخ حضورها الإستراتيجي في المنطقة.

قررت دمشق فتح أبوابها للعالم بدعم عربي–تركي–غربي، بعد سنوات من العزلة الثنائية التي فرضها النظام السابق داخليًا والمجتمع الدولي خارجيًا. بدأت إشارات التعاون مع أوكرانيا بالتدرج، من شحنات القمح والمساعدات الإنسانية، مرورًا بالتواصل الدبلوماسي، وصولًا إلى زيارة الرئيس زيلينسكي، ثالث رئيس دولة يقصد دمشق منذ إسقاط نظام الأسد.

ما كان ممكنًا على المستوى الثنائي، أصبح اليوم أكثر تأثيرًا بوجود تركيا كقناة تواصل وضامن للمسار الثلاثي، حيث يلتقي الاقتصاد والأمن والدبلوماسية في بوتقة واحدة.

تركّز أنقرة على بناء جسور تواصل إقليمي أوسع تمنحها ميزة إستراتيجية مزدوجة: تعزيز نفوذها في المنطقة، وتأكيد دورها كقوة استقرار قادرة على توجيه مسار الأزمات في الشرق الأوسط وشرق المتوسط وحوض البحر الأسود نحو حلول براغماتية قابلة للتنفيذ. نجاح تركيا في التقريب بين دمشق وكييف يجسد خطة مدروسة طويلة المدى، بطابع إقليمي قادر على التأثير في مسارات الطاقة والغذاء، مع استثمار فرص إستراتيجية إضافية، من أبرزها تقريب البحر الأسود والمتوسط من بعضهما البعض.

تقدم أنقرة اليوم نفسها كحلقة وصل عملية، تربط بين مصالح دمشق الاقتصادية والتنموية وكييف، الباحثة عن شريك موثوق لتصدير الحبوب والموارد الحيوية إلى أسواق الشرق الأوسط. ويعكس انخراط تركيا في مسار التقارب السوري–الأوكراني إدراكها لما يمكن أن يمنحه لها هذا التعاون الثلاثي من أوراق إستراتيجية في لعبة التوازنات الإقليمية الجديدة.

لكن خصوصية ما تقوم به أنقرة، ويجعلها لاعبًا لا غنى عنه في مسارات دبلوماسية من هذا النوع، هو قدرتها على استيعاب ردود فعل موسكو والغرب على حد سواء، لا سيما مع توقيت الاتصال بين الرئيس التركي ونظيره الروسي قبل ساعات من وصول الرئيس الأوكراني إلى إسطنبول.

تستعيد سوريا موقعها كمحور استثماري مهم في المنطقة، في حين تجد كييف في دمشق شريكًا محتملاً لتأمين أسواق جديدة لمواردها الزراعية والمعادن النادرة، إضافة إلى فرص الوصول إلى المنطقة عبر البوابة السورية. يتجاوز الدور التركي هنا كونه مجرد ضامن أو مسهّل، فالمصالح والفرص والفراغات في الشرق الأوسط الجديد تقرّب بين الثلاثي، وسط هذه التحولات والمعادلات الإقليمية الجديدة.

تراقب العديد من العواصم بقلق الدور التركي في تقريب وجهات النظر بين دمشق وكييف، إذ تشكل هذه الخطوة تهديدًا محدودًا لنفوذ الأطراف الأخرى، خصوصًا في مجالات الطاقة والأمن الإستراتيجي. ويضع هذا الدور اللاعبين أمام معادلات جديدة مرتبطة بالتحديات وصراع النفوذ الإقليمي. غير أن الدعم العربي والغربي لهذه الجهود والانفتاح عليها يعمل كآلية لتخفيف احتمالات الصدام، ويضيف عنصر توازن سياسي جديد إلى خريطة المنطقة.

دخول تركيا على الخط السوري–الأوكراني لا يقتصر على تفعيل جسر تواصل دبلوماسي بين الطرفين، بل يمثل أداة إستراتيجية لتعزيز موقع أنقرة في التفاعلات الإقليمية والدولية. ويتيح هذا الانفتاح تعزيز العلاقات الاقتصادية الإقليمية، وخلق مسارات جديدة لتدفق رؤوس الأموال، فضلًا عن دعم جهود العواصم العربية المشاركة في إعادة بناء سوريا الجديدة، بعيدًا عن الانخراط في صراعات أو منافسات غير مجدية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤