لماذا تغرق بعض مناطق عمان في كل شتاء؟
أبلغ هذا الشتاء، وخلال منخفض جوي واحد، عشرات المواطنين غرفة عمليات أمانة عمان الكبرى بارتفاع منسوب المياه في مناطقهم، بالإضافة إلى ذلك ارتفع منسوب المياه في بعض الأنفاق، والشوارع العامة، والمحال التجارية، وحتى داخل البيوت في مناطق محددة.
تتكرر هذه الحالات في السنوات الأخيرة في عمان، ولعل حادثة غرق وسط المدينة في العام 2019 كانت الأبرز، حيث غرقت مئات المحال في وسط البلد، وشُكلت العديد من لجان التحقيق في هذه الحادثة، من عدة جهات مثل غرفة تجارة عمان، وأمانة عمان. بالإضافة إلى ذلك، تابعَ المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، ورئيس الوزراء، تداعيات ما جرى ذلك العام.
سواء في خططها طويلة الأمد، أو في حالات الهطولات المطرية في الشتاء، تعمل الأمانة على مواجهة ارتفاع مناسيب المياه أو خطر تحوّلها إلى سيول في مناطقها، ففي خطتها الاستراتيجية للأعوام 2022- 2026 كانت «الفيضانات، أو السيول، وصعوبة توقع كمية الموسم المطري»[1] التحدي الأول من بين تحديات التغير المناخي التي تواجهها الأمانة، وخلال المنخفضات الجوية تخصص الأمانة الآلاف من كوادرها ومن آلياتها لمواجهة ارتفاع مناسيب المياه، كما وتعلن عن حالات الطوارئ قبل بدء المنخفضات، وتصدر إرشادات للمواطنين للتعامل مع الظروف الجوية.
ومع كل هذه الخطط طويلة الأمد أو عمل كوادر الأمانة في الظروف الجوية، ما زال منسوب المياه في كل شتاء يرتفع في كثير من المناطق، ومنها مرافق صممت حديثًا، مثل مسارات الباص السريع، وتداهم مياه الأمطار البيوت في بعض المناطق، فلماذا يحصل كل ذلك؟ وهل هناك حلول جذرية كي لا تغرق بعض المناطق في عمان؟
كيف يحدث ارتفاع منسوب المياه؟
هنالك عدة عوامل تؤثّر في ارتفاع منسوب المياه في المدينة وغرق بعض المناطق فيها في الشتاء. منها عوامل مناخية مثل كمية الأمطار والوقت الذي تسقط فيه، ونوع التربة التي تستقبل الأمطار، والتبخر، وعوامل أخرى من صنع الإنسان مثل قابلية السطح لامتصاص الأمطار، ومستوى انحداره، ونظام التصريف، ثم عوامل أخرى تتعلق بإدارة الهطول المطري.
بشكل عام، كلما تحولت المناطق الطبيعية إلى مناطق حضرية مبنيّة، واتسعت رقعة الأسطح غير المنفّذة للمياه بسبب تعبيد الشوارع وانتشار الأبنية، تقل نسبة امتصاص الأرض لمياه الأمطار فيرتفع معدل الجريان السطحي. أي أن المياه التي كانت في الماضي تتسرب إلى جوف الأرض باتت تتحرك على الأسطح في الشوارع وبين الأبنية وأسفل السفوح؛ لهذا فإن المناطق الحضرية تكون أكثر عرضة لارتفاع منسوب المياه فيها وحدوث الفيضانات.[2]
تزيد التغيرات المناخية التي طرأت على الهطولات المطرية من سرعة جريان المياه، حيث أصبحت الأمطار تسقط بكميات كبيرة وفي وقت قصير في ظاهرة تسمى بالأمطار الوميضية، الأمر الذي يشكل ضغطًا على البنية التحتية من أجل تصريفها. لكن، توصلت دراسة حديثة الصدور إلى أن التوسع الحضري، وليس تغيّر المناخ، هو العامل الرئيسي وراء ارتفاع منسوب المياه ومخاطر الفيضانات في عمّان.[3]
ارتفعت الرقعة الحضرية في عمان بشكل كبير في العقود الأخيرة، من حوالي 147 كيلومترًا مربعًا عام 1987 إلى 238 كيلومترًا مربعًا عام 2017، وبهذا اتسعت مساحة الأسطح غير المنفذة لمياه الأمطار في المدينة[4] خاصة في أماكن لم يكن مخططًا البناء فيها، وفاقم من المشكلة سرعة الجريان السطحي لمياه الأمطار، أو الحد من القدرة على تصريفها.
تاريخيًا، وضعت العديد من الخطط الحضرية للمدينة مثل خطة عمّان التنموية لعام 1955، وخطة تطوير المركز المدني لعام 1968، والدراسة التمهيدية لتطوير مركز المدينة لبلدية عمّان لعام 1987، وخطة عمّان التنموية الشاملة لعام 1987، وخطة عمّان لعام 2008.
يقول الدكتور المهندس مراد الكلالدة، مستشار العمارة والتصميم الحضري لحبر، إن بعض الخطط العمرانية لعمّان سعت إلى تنظيم التوسع الحضري والحد من العشوائيات لتجنب الزحف العمراني غير المنضبط. وشملت هذه الخطط رسم حدود واضحة لنمو المدينة في المستقبل، وتشجيع البناء العمودي، إضافة إلى حظر البناء في الوديان التي اعتُبرت بمثابة «أصابع خضراء» في خطة عام 1955.
يضيف الكلالدة أن موجات اللجوء بعد نكسة حزيران في العام 1967 وبعد حرب الخليج 1991، وتوسيع مساحة عمان لتضم المناطق المحيطة بها مثل سحاب وناعور ووادي السير والجيزة، أو عدم تطبيق بعض بنود هذه الخطط بشكل كامل، أدى إلى الانفلات الحضري، والبناء في مناطق لم يكن من المخطط البناء فيها مثل المناطق الزراعية، أو في الوديان.
إلى جانب ذلك، يعتقد الكلالدة أن الاحتكام إلى «سياسة السوق» خلال العشرين عامًا الماضية شكّل عاملًا إضافيًا ساهم في اتساع رقعة عمان وانفلات توسعها العمراني. فقد نشط سماسرة الأراضي في تجزئة الأراضي الزراعية الكبيرة المحيطة بالمدينة إلى قطع صغيرة وتحويلها إلى أراضٍ قابلة للبناء. وحدث ذلك باستحسان من المستوى السياسي والاقتصادي، يضيف الكلالدة، على أساس أن بيع الأراضي يحرّك الاقتصاد ويزيد إيرادات الدولة. «كان في تغاضي عن مسألة التوسع الحضري، هذا بنسميه نحن الانفلات الحضري»، يقول الكلالدة.
تتطلب زيادة المساحات المبنية توفير بنية تحتية مواكبة لها، كشبكات تصريف مياه الأمطار القادرة على استيعاب تزايد الجريان السطحي الناجم عن هذا البناء. إلا أن التوسع الحضري غير المخطط له في عمّان، أدى إلى غياب البنية التحتية الملائمة لاستيعاب هذا التمدد. يقول الكلالدة: «لما أنت تخرج عن المخطط اللي موجود واللي إنت حاسب عليه كفاءة البنية التحتية، وسعتها، ودرجة تحملها، هذا هو الانفلات الحضري اللي زاد الضغط».
في كل شتاء، حين يرتفع منسوب المياه في بعض المناطق، تلوم الأمانة تصرف المواطنين بربط مزاريب مياه الأسطح على مناهل الصرف الصحي، أو على إلقاء النفايات في الشارع وداخل شبكة الصرف الصحي بالإضافة إلى مخلفات الإنشاءات، وتؤدي هذه التصرّفات إلى انسداد شبكة تصريف مياه الأمطار وتحدّ من كفاءة التصريف.
يعتقد الكلالدة أن هذه التصرفات موجودة، لكنها ليس العامل الرئيسي في انسداد خطوط تصريف مياه الأمطار، أو تداخلها. وإنما ينسبها إلى قدم واهتراء هذه الشبكات، وقرب خطوط الصرف الصحي من خطوط تصريف مياه الأمطار في بعض المناطق ما يؤدي لتداخلها، وعدم وجود سلطة واحدة لإدارة جميع خطوط البنية التحتية بشكل مركزي. «عند حدوث الهطول المطري المفاجئ أو حتى لو الهطول المطري العادي بنلاحظ إنه الشبكات عمالها بتدخل على بعض، وبنلاحظ بعض التبريرات إنه المواطنين هم اللي عمالهم بيربطوا مجاري المياه على شبكة الصرف الصحي، طبعًا هذه الحالات موجودة ولكنها يعني مش كبيرة».
جغرافيًا، بنيت مدينة عمّان الحديثة حول سيل في وادي عمّان، وهي منطقة منخفضة تحيط بها جبال تتساقط منها مياه الأمطار شتاءً لتتجمع عبر الأودية وتصب في السيل. لاحقًا امتد التوسع العمراني نحو الجبال المحيطة، وجرى تسقيف السيل في ستينيات القرن الماضي عبر إنشاء عبّارة ضخمة، ليُقام فوقها «شارع قريش» الذي يمر حاليًّا أمام المدرج الروماني. وتُشكل هذه المنطقة (وسط البلد) جزءًا من حوض وادي عبدون، الذي تبلغ مساحته 105 كيلومترات مربعة؛ ويمتد من صويلح والجامعة الأردنية شمالًا، ووادي السير ومرج الحمام غربًا، وصولًا إلى حي الروضة جنوبًا، لينتهي المطاف بالمياه الجارية لتصب وتتجمع في وسط المدينة.[5]
في وسط البلد، المنطقة الأخفض في هذا الحوض، يتركز الخطر الشديد لحدوث الفيضانات الناجمة عن سرعة جريان مياه الأمطار، بينما تقع المناطق المرتفعة مثل صويلح، ومرج الحمام، والجامعة الأردنية ضمن مناطق منخفضة أو معدومة المخاطر لحدوث الفيضان، رغم ارتفاع احتمالية زيادة منسوب المياه في شوارعها أو الأنفاق فيها. في وسط المدينة حدثت الفيضانات ذات تأثير الأكبر من المناطق الأخرى مثل فيضان العام 2015 وفيضان 2019، واللذين تسببا بخسائر في الوسط التجاري.
يقول الدكتور رضوان الوشاح من قسم الهندسة المدنية في الجامعة الأردنية، إن معالجة مشكلة نزول المياه من أعالي حوض عبدون إلى المناطق المنخفضة يتطلب مخططًا شموليًا، بحيث يجري حل مشكلة الجريان في مناطق أعلى قبل وصولها إلى المنطقة المنخفضة أي مصب الحوض.
وفي حديثه لحبر، يرى وشاح أنه ليس من الضروري زيادة عدد عبّارات تصريف مياه الأمطار في وسط البلد، بل يجب التركيز على إدارة جريان هذه المياه وتأخير «منحنى الفيضان» لتتمكن الشبكة الحالية من استيعابه. ويقترح وشاح حلًّا تخزينيًّا يعتمد على إنشاء أحواض تجميع (أحواض تركيز) حول المباني لتخفيف سرعة الجريان السطحي. ويُذكر أن أمانة عمّان قد بدأت مؤخرًا بتطبيق أفكار مشابهة عبر مشاريع «الحلول المنسجمة مع الطبيعة» في مناطق عدة، مثل مثلث الزهور: «هذه لازم تتم على مستوى كل أحياء عمان حتى نخفف من الكميات اللي بترد لسيل عمان وسط البلد بحالة الفيضان الشديد».
بالإضافة إلى الحلول الهندسية، تحتاج إدارة الفيضانات الناجمة عن الهطول الغزير إلى سياسات وخطط للتعامل معها، ضمن عدة مراحل: ما قبل الفيضان، وخلال الفضيان، وما بعده، وهناك الكثير من الخطط والسياسات التي تناولت إدارة الكوارث المناخية في الأردن بشكل عام، وعمان بشكل خاص، ومنها مخاطر الفيضانات، مثل خطة عمان المناخية – رؤية عمان 2050 والخطة الاستراتيجية لأمانة عمان الكبرى 2022-2026. وأعلن مؤخرًا عن إطلاق البرنامج الوطني لإنتاج خرائط الفيضانات في الأردن في عدة مراحل ومنها خرائط لعمان.
تخضع إدارة مخاطر الفيضانات في عمان إلى منظومة مؤسسية متعددة الجهات، مثلًا تختص وزارة المياه والري في تنظيم تصريف المياه ومراقبة أحواض الأودية، وتتولى أمانة عمّان مسؤوليات تصريف مياه الأمطار وصيانة البنية التحتية لها، بالإضافة إلى تنظيم استعمالات الأراضي. وتشارك وزارة الإدارة المحلية، ووزارة الأشغال العامة والإسكان، ووزارة البيئة، ومديرية الأمن العام الدفاع المدني في جوانب مختلفة من إدارة مخاطر الفيضانات، لا سيما فيما يتعلق بالاستجابة للطوارئ، وتقييم الأضرار، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية.[6]
درست الدكتورة نيرمين دلقموني وهي رئيس قسم العمارة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، سياسات إدارة الفيضانات في عمان في ورقة بحثية صدرت مؤخرًا، وتوصلت إلى أن التركيز المؤسسي ينصب بدرجة كبيرة على الاستجابة الطارئة بعد وقوع الفيضانات، مقابل اهتمام محدود نسبيًا بالتخطيط الاستباقي، والتخفيف طويل الأمد، وتعزيز المرونة البيئية، لا سيما في المناطق الحضرية القديمة مثل وسط مدينة عمّان.[7]
ترى دلقموني في حديثها لحبر أن أمانة عمّان تمتلك الموارد البشرية والمالية، إلى جانب خطط وسياسات الاستجابة لمخاطر الفيضانات، لكن المشكلة تكمن في الفجوة بين النص المكتوب والتطبيق الفعلي. وتلفت إلى أن الحلول الهندسية لمواجهة ارتفاع منسوب المياه، ورغم أهميتها، تبقى حلولًا جزئية وغير كافية لمعالجة الفيضانات المفاجئة ما لم تُدعم بتدابير تخطيطية ومؤسسية ومجتمعية شاملة. وتتطلب هذه المعالجة نظرة متكاملة تغطي كافة مراحل الفيضان، وتنسيقًا عاليًا بين الجهات المعنية لتطبيقها على أرض الواقع. وتصف دلقموني الاعتماد على الحلول الهندسية دون خطة شمولية بأنه مجرد تخبط. «كأني عم بجرب. التفكير بشكل شمولي ممكن تكون فيه الحلول أسهل وأقل تكلفة».
ختامًا، لا يمكن حصر أسباب ارتفاع منسوب المياه وغرق بعض مناطق عمّان خلال المنخفضات الجوية في انسداد المناهل بالنفايات أو مزاريب الأسطح، أو حتى في التغير المناخي وازدياد حدة الأمطار؛ فرغم مساهمة هذه العوامل في تفاقم الوضع، تبقى الأسباب الجوهرية أعمق من ذلك. وتتمثل في التوسع الحضري غير المخطط له، وضعف الالتزام بالتخطيط العمراني، وتحويل الأراضي الزراعية ومحيط الأودية إلى بؤر سكنية. يُضاف إلى ذلك تقادم البنية التحتية وعجزها عن استيعاب الهطول المطري، وغياب التنسيق المؤسسي بين الجهات الرسمية لإدارة الأزمة. ولهذا، يختم الكلالدة بأن تصدير مقطع فيديو لسجادة تسد منهلًا بوصفه المسبب الرئيسي، لن يقدم حلًّا ناجعًا لهذه المشكلة الشتوية المتكررة، مؤكدًا أن المخرج الوحيد يتطلب معالجة شمولية.
-
الهوامش
[1] الخطة الاستراتيجية لأمانة عمان الكبرى للأعوام 2022-2026، ص 24
[2] Chung et al., 2011; Jahan et al., 2021; Oroud, 2022)/ Ibrahim M. Oroud/The Relative Impact of Urbanization Expansion and Climate Change on Flood Hazard in Amman City/Jordan Journal of Earth and Environmental Sciences /JJEES (2025) 16 (1): 96-107. Page 96.
[3] Ibrahim M. Oroud/The Relative Impact of Urbanization Expansion and Climate Change on Flood Hazard in Amman City/Jordan Journal of Earth and Environmental Sciences /JJEES (2025) 16 (1): 96-107. Page 102
[4] Ibrahim M. Oroud/The Relative Impact of Urbanization Expansion and Climate Change on Flood Hazard in Amman City/Jordan Journal of Earth and Environmental Sciences /JJEES (2025) 16 (1): 96-107/ Page 96.
[5] Radwan Abdullah Al-Weshah/, Zaid ayyash Sakarnah/ Flash Floods Assessment Urban Area: A Case Study Wadi Abdoun Basin, Jordan/Dirasat: Human and Social Sciences, Volume 51, No. 2, 2024/ page236
[6] Dalgamoni, Nermeen and Khwaileh, Mysaa, Policy Gaps and Urban Flooding: A Critical Evaluation of Flash Flood Risk Management and Resilience in Amman, Jordan. Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=5392440.
[7] Dalgamoni, Nermeen and Khwaileh, Mysaa, Policy Gaps and Urban Flooding: A Critical Evaluation of Flash Flood Risk Management and Resilience in Amman, Jordan. Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=5392440.





