لماذا صمدت إيران بينما تعثرت النماذج العربية المشابهة؟
بقلم/ فراس الحجازي
في المشهد السياسي للشرق الأوسط، تبرز إيران كاستثناء حقيقي: دولة استطاعت أن تحافظ على تماسكها وتوسع نفوذها رغم العقوبات والحروب. في المقابل، انهارت نماذج عربية شريكة لها على نفس النهج المقاوم. السؤال المحير: لماذا نجح الفرس حيث فشل العرب؟
لفهم ذلك، لا بد من التمييز بين “الدولة” ككيان مؤسسي مستمر، و”النظام” كطريقة حكم قد تسقط. كما يتطلب الأمر النظر إلى ما هو أعمق من السياسة، إلى طبقات الثقافة والعقلية المتراكمة عبر قرون.
فالعرب والفرس يحملون تراثين مختلفين. يميل العربي إلى فكرة البطل والزعيم (ولاء لفرد)، بينما يميل الفارسي إلى المؤسسة (ولاء لنظام هرمي). العربي فردي قبلي وكرامته الشخصية أولًا، أما الفارسي فجماعي يهتم بصورة المجموع. العربي في الصراع يميل إلى المواجهة المباشرة، بينما يميل الفارسي إلى الصبر والتدرج. العربي يتعامل مع الزمن بشكل لحظي، أما الفارسي فيتعامل معه كمسار طويل.
وهذه الفروق انعكست مباشرة على شكل الدولة: فحيث تميل الثقافة إلى الشخصنة، يصبح النظام هو الدولة؛ وحيث تميل إلى التنظيم، تصبح الدولة أوسع من النظام. فالخلاصة أن العربي في ثقافته مثل “النار”: سريع، مباشر، لكنه يحترق بسرعة. أما الفارسي فمثل “الماء”: يتكيف، يخطط لمسارات طويلة، وينحت الصخر بالتراكم.
عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تكن إيران دولة وليدة، بل قامت على مؤسسات متراكمة عبر قرون. هذا الإرث جعل الدولة كيانًا أعمق من أي نظام حاكم. في المقابل، تشكلت الدول العربية الحديثة في سياق خارجي، فهي وليدة سايكس-بيكو، حيث رُسمت الحدود وجُمعت كيانات مختلفة دون اندماج تاريخي. لم تنشأ الدولة من الداخل، بل فُرضت من الخارج، فبقيت مرتبطة بالأنظمة الحاكمة، وأصبح النظام هو الدولة فعليًّا.
لكن الجذور التاريخية وحدها لا تكفي. فكلا النموذجين تعرض لضغوط هائلة. غير أن الاختلاف كان في طريقة التعامل. فبينما انشغلت الأنظمة العربية بردود فعل سريعة استنزفتها، اعتمدت إيران على إدارة الصراع بنفَس طويل وبناء تدريجي للقوة.
ثم يأتي عامل آخر: العلاقة بين الأنظمة العربية نفسها. فبدلًا من تشكيل جبهة موحدة، انخرطت في صراعات داخلية، حيث نظر كل طرف إلى الآخر كتهديد، مذكرة بفترة “ملوك الطوائف” حيث تغلبت الحسابات الضيقة على المصلحة العامة. في المقابل، عملت إيران ضمن إطار أكثر تماسكًا.
ويظهر الفرق في مفهوم السلطة. ففي الحالة الإيرانية، مالت التقاليد السياسية إلى البيروقراطية المركزية، حيث السلطة مؤسسية. عندما يُقتل قائد إيراني، يستمر النظام. أما في الحالات العربية، فبرغم وجود المؤسسات، إلا أن عقلية الإدارة لم تتغير، فكل شيء يرجع إلى الحاكم، مما جعل استقرار الدولة مرتبطًا ببقائه.
هذا الفرق ظهر بوضوح خلال أحداث 2011. فتحولت احتجاجات في عدة دول عربية إلى انهيارات، لأن ما كان قائمًا لم يكن “دولة” قادرة على امتصاص الصدمة، بل “نظامًا” مهددًا بالسقوط. أما في إيران، فبقيت الاحتجاجات ضمن حدود ولم تؤد إلى انهيار شامل. ومع ذلك، فإن صمود إيران لم يكن دون كلفة، إذ تحملت ضغوطًا اقتصادية واجتماعية كبيرة، لكنها بقيت ضمن قدرة الدولة على الاستيعاب.
في النهاية، لم تنجح إيران لأنها لم تتعرض للضغوط، بل لأنها واجهتها كدولة لا كنظام. بينما فشلت الأنظمة العربية “المقاومة” لأنها بقيت أنظمة مرتبطة بالأشخاص، فسقطت بسقوطهم. هذا هو الفرق بين ماء ينحت الصخر ونار تنطفئ عند أول عاصفة.
The post لماذا صمدت إيران بينما تعثرت النماذج العربية المشابهة؟ appeared first on الموقف الليبي.





