لكريني: وضع الشرق الأوسط يفرض مراجعة الحسابات في الدول العربية
أكد إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية ومدير مختبر الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط “يُثير بشكل جدّي تساؤلات بشأن نجاعة المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة بإدارة الأزمات وتسوية النزاعات، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي لم تتحرك بَعْدُ بالجدية والفعالية المطلوبين”.
وأبرز لكريني، في دراسة نشرها “مركز تريندز للبحوث والاستشارات”، أن “هذه المواجهة ستكون لها تبعات وتأثيرات على النظام الإقليمي العربي بشكل عام، وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وهو ما يفرض على الدول العربية إعادة حساباتها في اتجاه تجاوز الخلافات، في أفق المساهمة في إرساء نظام إقليمي يخدم مصالحها ويضمن أمنها الإستراتيجي”.
وسجل مدير مختبر الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، في الدراسة المعنونة بـ”إلى أين تتّجه الحرب على إيران؟”، أن “هناك تطابقًا في الأهداف المتوخاة من الحرب – إلى حد كبير – بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، سواء تعلق الأمر بالقضاء على المشروع النووي الإيراني، أو إسقاط النظام، أو الحَدّ من الإمكانيات العسكرية الصاروخية، واستشراف المستقبل؛ وبخاصة على مستوى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط”.
وشدد المحلل ذاته على أن “سعي واشنطن إلى تغيير هذا الواقع من خلال القوة أمر حتمي، كي تصبح إيران الجديدة -من وجهة نظر أمريكية- صديقة لواشنطن، أو على أقل تقدير دولة قادرة على التعايش معها، ولا تشكل تهديدًا للمصالح والأولويات الأمريكية في المنطقة وخارجها”، معتبرا أن “الوضع في المنطقة مرشح للتطور أكثر، ذلك أن هاجس الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل انتقل من مستوى الردع، عبر البحث عن ضمانات كفيلة بالحَدّ من الطموحات النووية الإيرانية، ومن خطر الاستمرار في تطوير صواريخها الباليستية، إلى السعي نحو تغيير النظام السياسي القائم”.
وعلى الجانب الآخر يؤكد لكريني أن “النظام الإيراني يجد نفسه في وضع صعب، خصوصًا أن الملف النووي صار بالنسبة إليه مسألة وجود، باعتباره سبيلًا لامتلاك قوة الردع في مواجهة مختلف الضغوطات التي يتعرض لها؛ فيما شكل اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة الحرس الثوري عاملًا حاسمًا آخر لإذكاء هذه المواجهة”، لافتا إلى أن “إيران تعرضت لتدخل عسكري إسرائيلي وأمريكي مشترك، وهو ما يمكن اعتباره من وجهة نظر القانون الدولي عملًا عدائيًّا، لكن سلوكها المتهوّر تجاه جيرانها جعلها تسقط في مأزق قانوني وأخلاقي عمّق عزلتها”.
وذكر صاحب الدراسة أن “هذه الحرب تمثل ضربة موجعة أخرى للنظام الإقليمي العربي بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، خصوصًا أن العمليات العسكرية طالت عددًا من دول المنطقة”، مضيفا أن “بلدان الخليج العربي على رأس قائمة الدول الأكثر تضررًا من هذه الحرب، بحكم قربها من إيران، فبعد أن ظلت تتميز باستقرارها وأمنها الذي أسهم بشكل كبير في جذب الاستثمارات الدولية بعدد من القطاعات الحيوية أضحت هذه البلدان أمام واقع صعب، تفرضه ضغوطات هذه المواجهة التي يمكن أن تتسع دائرتها في أي لحظة، ما ستكون له تبعات وخيمة”.
وفي ما يخص سيناريوهات المستقبل أوضح الأكاديمي ذاته أن “ثمّة ثلاثة سيناريوهات تلوح في الأفق، فاستحضارًا لغياب أي دعم عسكري رسمي لإيران من لدن قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، وتَعَرُّض البلاد لضربات عسكرية قاسية، وإصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف عدد من النخب السياسية، مع إمكانية بروز نخب سياسية معتدلة، أو حتى انهيار النظام القائم تحت هذه الضغوطات الخارجية والاحتجاجات الداخلية، يمكن للحرب أن تتوقف تحت هذه الظروف”.
وزاد: “هناك سيناريو آخر يرتبط بإمكانية وقف الحرب عبر مساعٍ حميدة تقودها بعض القوى الدولية، كالصين، بناء على توافقات قد تكتفي فيها الولايات المتحدة بالحصول على ضمانات في ما يتعلق بوقف التخصيب بشكل كامل، وتفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، مع التخلي عن مطلب إسقاط النظام، وهو السيناريو الذي تُعزّزه الضغوطات التي يمارسها عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي بغرفتيه على ترامب، وذلك تحت ضغط الخسائر المادية والبشرية المتتالية، وكذا التخوف من إمكانية دخول إيران في انقسام وفوضى عارمتين، بما يفرز بؤرة توتر أخرى جاذبة للجماعات المسلحة، وكذا التخوف من إقدام إيران على خطوة تسريع إنتاج سلاح نووي في حال الشعور باقتراب سقوط نظامها السياسي”.
أما السيناريو الثالث، حسب الأستاذ الجامعي ذاته، فيحيل على “استمرار المواجهة في إطار حرب استنزاف طويلة الأمد، بالنظر إلى تجربة إيران الماضية خلال حربها مع العراق، وتوقعها منذ فترة طويلة ضربات أمريكية قد تستهدفها”، مردفا: “يبدو هذا الاحتمال واردًا إذا ما تمكنت إيران من تحويل الحرب الجارية إلى ‘مقاومة وطنية’، وهو ما قد يدفع كل الأطراف المعنية إلى توظيف مختلف الأوراق الضاغطة، بما سينعكس بالسلب على أوضاع المنطقة، بل ويتيح انضمام قوًى دولية أخرى للمعركة، في سياق التنافس على المصالح والتسابق على موازين القوى”.
وتابع لكريني بأن “الجولة الأولى من المفاوضات لإنهاء الحرب لم تُفضِ إلى اختراق نوعي، إذ اصطدمت بتباينات بنيوية تتعلق بطبيعة القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، وترتيب خطوات رفع العقوبات، فضلًا عن مسألة الضمانات المرتبطة باستمرارية أي اتفاق محتمل”، مبرزا أن “هذا التعثر لا يمكن قراءته باعتباره فشلًا نهائيًّا، بقدر ما يعكس الطبيعة التراكمية والمعقدة لهذا النوع من المسارات التفاوضية، حيث غالبًا ما تُستنفد الجولات الأولى في تحديد الأطر العامة وترتيب الأولويات، أكثر من تحقيقها اختراقات جوهرية”.
وخلص المحلل نفسه إلى إمكانية “استمرار المسار التفاوضي مع إدخال تعديلات على آلياته وأجندته، بما يسمح بتقليص فجوة الخلافات وبناء حَدٍّ أدنى من الثقة بين الطرفين؛ أو الدخول في حالة من الجمود التفاوضي المصحوب بتصعيد ميداني محدود، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه التفاوضية عبر الضغط العسكري أو الاقتصادي”، وواصل: “أمّا الاتجاه الثالث، والأقل ترجيحًا في المدى القريب، فيتمثل في انهيار المسار التفاوضي بشكل كامل، خصوصًا في حال حدوث تصعيد عسكري نوعي، أو توسع دائرة المواجهة بشكل يصعب احتواؤه دبلوماسيًّا”.
The post لكريني: وضع الشرق الأوسط يفرض مراجعة الحسابات في الدول العربية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

