لهذا الهجمات على دولة مالي خطر على الأمن القومي المغربي
باحث في الدراسات الأمنية
بعد أسبوعين من خطوة سحب دولة مالي اعترافها بجبهة البوليساريو، تعرضت مالي لهجمات واسعة النطاق من طرف جبهة تحرير الأزواد (FLA) وتنظيم جبهة نصرة الإسلام والمسلمين الإرهابي (JNIM). وقع هذا الهجوم صبيحة يوم 25 أبريل 2026، وتمت فيه السيطرة على عدة مدن ومناطق حيوية تابعة للجيش المالي، ومهاجمة أهم المناطق العسكرية الحامية للعاصمة باماكو. والمتوقَّع هو توجه الجبهتين نحو العاصمة في محاولة للإطاحة بالحكومة المالية والسيطرة على مالي. وهناك مؤشرات كثيرة تشير إلى أن الجزائر وراء التخطيط والدعم والتمويل لهذه الهجمات.
استنساخ الجزائر لـ«عقيدة مونرو»
روجت الجزائر، منذ بداية القرن الحادي والعشرين وبعد إنهاء حقبة العشرية السوداء، لسردية مفادها أنها البوابة الوحيدة للغرب للولوج إلى الساحل، وأنها الضامن لاستقرار منطقة الساحل، والرادعة للتنظيمات الإرهابية، والسد المنيع الذي يحول دون وصولها إلى السواحل الأوروبية. لكن هذه السردية انتهت بعد بناء تكتل دول الساحل الذي جمع بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو؛ التكتل الذي اعتبرته الجزائر تهديداً لهيمنتها على المنطقة.
وعليه، بدأت الجزائر في عملية نشر فوضى جديدة بهدف تفتيت هذا التكتل من خلال محاولة ضم النيجر إلى صفها عبر ضخ استثمارات في السوق النيجرية، خاصة على صعيد الطاقة والغاز. كما عملت على إعادة ضمان الحياد البوركينابي لصالحها، فاستطاعت أن تُجمّد التكتل الإقليمي لدول الساحل، خاصة من خلال تأجيج الخلاف القائم إلى اليوم بين النيجر ومالي، وضمان حياد التشاد والضغط حتى لا تنضم إلى التكتل الساحلي.
دعم الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية في شمال أفريقيا والساحل
لا يخفى على أحد التراشق الذي حدث بين مالي والجزائر، والذي شهد عليه المنتظمان القاري المتمثل في الاتحاد الأفريقي والدولي، إذ أقدمت مالي على اتهام الجزائر بتهديد أمنها داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لم تتردد في الإشارة في كل مرة إلى الدعم الجزائري المقدَّم للجبهات الانفصالية في الشمال المالي وللحركات الإرهابية في منطقة الساحل.
وهذا ما يؤكده تسريب ويكيليكس الذي نُشرت فيه مراسلة بين الجزائر ومختار بلمختار، القيادي السابق (المختفي لحد الآن) لأحد فروع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (سابقاً) وتنظيم جبهة نصرة الإسلام والمسلمين (حالياً)، والتي نجد فيها حثّ الجزائر لمختار بلمختار على مهاجمة دول الساحل والأراضي المغربية بهدف زعزعة استقرار هذه الدول. كما أن الجزائر إلى اليوم لا تزال تتحفظ على زوجة وأبناء «إياد آغ غالي»، قائد جبهة نصرة الإسلام والمسلمين، في تين زواتين الجزائرية.
بالإضافة إلى كون الجزائر فتحت حدودها، في ظل الصراع القائم بين الحكومتين، لإيواء التنظيمات الانفصالية والإرهابية المتمركزة في الشمال المالي، وهو الأمر الذي حذّرت منه مالي عدة مرات، والذي وصل حد إسقاط الجزائر لطائرات الاستطلاع المالية داخل الأجواء المالية من أجل ضمان ضبابية تمركزات الجبهات الانفصالية والإرهابية في الشمال.
كما أن جبهة تحرير الأزواد تأسست بطريقة مبهمة في ظرف قياسي وفجائي بعد اندلاع الأزمة المالية–الجزائرية في 2024، أي بعد سنة من تأسيس تحالف دول الساحل، وتعتبر مالي أنها تأسست بإيعاز جزائري كرد على التحالف، ورداً على محاولات مالي إعادة إرساء قواعد ومؤسسات الدولة بعيداً عن اتفاق الجزائر، الذي أسست من خلاله الجزائرُ لنفسها دوراً يضمن التدخل الدائم في السياسات الداخلية المالية. بل إن الأمر امتد إلى مطالبة الجزائر روسيا، خلال الاجتماعات التي جمعت بين عطاف ولافروف، الضغطَ على مالي للرضوخ لمطالبها بتأسيس منطقة عازلة داخل الأراضي المالية وعلى طول حدودها مع مالي. هذا الطلب يوضح أن الجزائر تنظر إلى الساحل كحديقة خلفية لها، وهو ما اعتبرته مالي تدخلاً وتطاولاً على سيادتها وأراضيها.
دعم مالي لمخطط الحكم الذاتي المغربي وقرار الجزائر إسقاط حكومة مالي
اعتبرت الجزائر خطوة الاعتراف بالحكم الذاتي المغربي حلاً وحيداً للصراع المفتعل في الأقاليم الجنوبية للمملكة مساساً بأمنها. هذه الخطوة، التي على الأرجح كانت قد اطّلعت عليها الجزائر قبل إصدارها بشكل رسمي، تفسر الخطوات المتسارعة التي اتخذتها في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية وإلى حدود يوم الجمعة 24 أبريل 2026 (اللقاءات الرسمية بين السلطات الجزائرية والتشادية).
وقد بدأت الجزائر مناورتها أولاً من خلال استمالة اقتصادية للنيجر إلى الصف الجزائري عبر ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في الاقتصاد الطاقي النيجري الذي يعاني من مشاكل في مجال الغاز والطاقة. كما روجت الجزائر مجدداً لخطاب الأنبوب النيجري–الجزائري المار من النيجر، وهو محاولة للوقوف أمام المبادرة المغربية لبناء أنبوب (Gazoduc) المار من السواحل الغرب-أفريقية وصولاً إلى المغرب، ومن ثم إلى أوروبا. هذه الخطوات الجزائرية تجاه النيجر جاءت لضمان بناء علاقات دبلوماسية جديدة، تمكنت من خلالها الجزائر من تأطير الصراع المالي وعزله في حالة وحيدة بمنطقة الساحل.
كما تم إرساء اتفاقيات وزيارات عسكرية عديدة بين موريتانيا والجزائر، كمناورة لتأكيد وقوف الجزائر في صف موريتانيا في حالة اندلاع أي صراع عسكري بين مالي وموريتانيا، وكذا لعزل المشكل المالي غرباً، وبالتالي ضمان استقرار المكانة الجزائرية في الساحل وتفريغ محتوى الصراع المالي–الجزائري. وفي هذا السياق تم استقبال الوزير الأول الموريتاني في زيارة رسمية لضمان الحياد الموريتاني، والأمر في الواقع يتعلق بضغط على موريتانيا من خلال الاستعانة بورقة الطاقة لكي لا يؤثر الموقف المالي عليها، فقد تجد نفسها مضطرة لسحب اعترافها بجبهة البوليساريو للانخراط في المبادرة الأطلسية، وكذا لعدم النزوح عن الموقف «الساحلي» العام المساند للمغرب.
ويُلاحظ أنه قبل أن انطلقت الهجمات الانفصالية والإرهابية على مالي، قامت الجزائر بلعب ورقة التشاد في الأخير، أحد أهم دول منطقة الساحل، وهي محاولة أمام المنتظم الدولي للترويج لخطاب أن الجزائر هي البوابة الدولية نحو الساحل. وفي هذه الزيارة، اقترح الرئيس الجزائري تبون مبادرةً يقلد فيها المبادرة الأطلسية المغربية الرامية لفك العزلة عن دول الساحل الحبيسة، وهو الأمر الذي يطرح عدة استفهامات عمّا إذا كانت الجزائر قد تأكدت من إتمام مخططها في استعادة الساحل والتشويش على المبادرة الأطلسية المغربية.
وبالتزامن مع الإعداد للهجمات، تم عقد لقاء جزائري–روسي في موسكو قيل بأنه يهدف لمناقشة ملف الصحراء المغربية. ولكن بالرجوع إلى ما قام به فيلق أفريقيا اليوم، نطرح تساؤلاً عمّا إذا كانت تلك عبارة عن صفقة جزائرية–روسية حول مالي.
هجمات الميليشيات على الدولة المالية
بعد هذه الخطوات، انطلقت العملية العسكرية ضد الحكومة المالية فجر يوم السبت 25 أبريل 2026، استطاعت من خلالها الميليشياتُ المخططةُ لهذا الهجوم السيطرةَ على العديد من القواعد المالية والمدن والمؤسسات الحكومية، بما فيها مدن حيوية ككيدال وغاو وسيفاريه. والواضح أن هذه القوات تتوجه نحو البلدة العسكرية كاتي التي تعتبر درع العاصمة، ومن ثَمَّ الهجوم على العاصمة والإطاحة بالحكومة المالية الحالية، بينما اكتفى الفيلق الأفريقي الروسي (ڤاغنر سابقاً) بالانسحاب من مواقع الهجوم صبيحة اليوم قبل بدء الاشتباكات بين القوات المالية والجبهة الانفصالية وجبهة نصرة الإسلام والمسلمين.
ومن الواضح أن هذا السيناريو، الذي تم التخطيط له داخل قيادة الأركان الجزائرية، هو سيناريو خطير يعيدنا إلى ما حدث سنة 2014 لما استولى تنظيم داعش على أراضي الشام والعراق وأعلن «دولة الخلافة»، وهذا ما يطرح سؤالاً عمّا إذا كنّا أمام سيناريو تأسيس «نواة» دولة تجمع فيها الجزائر التنظيمات الإرهابية والميليشيات الانفصالية المسلحة فوق أراضي دولة مالي.
الهجمات على مالي خطر على الأمن القومي المغربي
يمكن اعتبار هذه المناورة الجزائرية بمثابة إعادة ترتيب للأوراق والمواقف السياسية في منطقة الساحل، وهي تهديد لنفوذ المغرب داخل المنطقة، ولأحد أهم الحلفاء الذين يتواجدون اليوم في المنطقة، خاصة في غرب أفريقيا، حيث يمكن اعتبار مالي البوابة الغرب-أفريقية الجديدة للمغرب، خاصة بعد بداية اختراق الجزائر لدولة السنغال والتوتر غير المعلن في العلاقات السنغالية-المغربية، دولة السنغال التي هي الأساس الذي يبني عليه المغرب سياساته الغرب-أفريقية.
ولذلك، تعتبر هذه المحاولة الجزائرية لزعزعة الأمن في منطقة الساحل خطراً مباشراً على المغرب، الذي أصبح اليوم أمام سيناريوهين لدعم دولة مالي في صد هجمات الميليشيات المدعومة من الجزائر: إما التدخل العسكري في سيناريو شبيه بما حدث في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية) من أجل إنقاذ النظام العام وإرساء أسس الاستقرار في المنطقة، أو مواجهة ترتيبات عدم التدخل في هذا الصراع، الذي قد يُمكِّن الجزائر من مخططات فوضى أخرى تصل إلى موريتانيا.
هذا التمادي الذي تقوم به الجزائر على سيادة الدول يأتي بعد اتصال أمريكي–جزائري نوقشت فيه عدة ملفات أهمها الملف المالي، وزيارة مرتقبة لنائب وزير الخارجية الأمريكي، وهو ما يعكس اعتقاد الجزائر بأن الولايات المتحدة الأمريكية منشغلة بحل الملف الإيراني النووي. وهو ما دفع النظام العسكري الجزائري إلى إشعال جبهة توتر في منطقة الساحل وفي محيط شمال أفريقيا، ولا يُعرف إلى حد الآن كيف سيكون موقف قيادة «الأفريكوم» الأمريكية المسؤولة عن القارة.
مخاطر محتملة ينبغي الانتباه إليها
هذه الخطوة الرامية إلى الإطاحة بالحكومة المالية ستظهر خطورة ما يسمى بالممر الساحلي–الجزائري–المغربي. فإن استطاعت الجبهة الأزوادية الانفصالية والحركات الإرهابية، وعلى رأسها جبهة نصرة الإسلام والمسلمين، السيطرةَ على مالي، فإن ذلك سيفتح أولاً عمقاً أفريقياً خطيراً لجبهة البوليساريو، وقاعدة خلفية لوجستية ستعمل على تدريب وتسليح ودعم البوليساريو في صراعها ضد المغرب. وسيسمح للجزائر بالتراجع خلف هذا الواقع الجديد، وإعادة إطلاق سردية التظاهر والخطاب القائل بأنها ليست الطرف المباشر في صراع ضد المغرب. فنجاح الهجمات الانفصالية–الإرهابية على مالي سيعطي للجزائر إمكانية تأسيس «ثقب أسود» داخل المنطقة يعطي للبوليساريو هامشاً للمناورة العسكرية قد يصل مداه إلى مليون ونصف كيلومتر مربع.
بل قد تنقل الجزائر ميليشيات البوليساريو المسلحة إلى شمال مالي، وتبدأ في إطلاق عملياتها العسكرية بمعية باقي التنظيمات الانفصالية الأزوادية والإرهابية، انطلاقاً من مالي نحو موريتانيا، وصولاً إلى الجدار الأمني المغربي.
فالجزائر خططت للهجمات المسلحة ضد مالي بعد شعورها بانحصار هامش المناورة داخل المنطقة العازلة، وشروع البوليساريو في إطلاق عملياته العسكرية من فوق الأراضي الجزائرية (العرض العسكري الأخير للبوليساريو من فوق الأراضي الجزائرية بمناسبة ذكرى تأسيس التنظيم الانفصالي)، وهو الأمر الذي قد يورط الجزائر مستقبلاً. ويذكّرنا واقع اليوم بالمناورة الجزائرية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، عندما حاولت بناء قواعد عسكرية للبوليساريو في مالي لإخفاء بطاريات «سام» التي تم اقتناؤها للجبهة في سياق حربها مع المغرب، والتي أطلق المغرب عملية عسكرية لتدميرها في الشمال المالي.
ظهرت المقالة لهذا الهجمات على دولة مالي خطر على الأمن القومي المغربي أولاً على مدار21.





