لحظة انطفاء : كم كنا بعيدين ونحن قريبون !
الصحوة – نصر الحضرمي
في صالة الانتظار لطبيب الأسنان، تمرّ مواقف كثيرة منسية في الزوايا الخلفية لذاكرتنا، فالانتظار – وبدون مشتتات الحاضر كالهاتف أو التلفزيون أو أي جهاز إلكتروني – يفتح الباب لها للخروج والتجول في خيالنا، لا يزعجها شيء سوى مناداة الممرضة لأسماء المنتظرين في القاعة.
هذا الانتظار الذي هو مُمِلّ بلا شك، لكنه مفيدٌ جدًّا لذواتنا حين نعيد التفكير في المواقف السابقة، وحتى تلك الأفكار التي تشغل بالنا حاليًا، لأنه من الصعب أن نجد لها اهتمامًا في ظل هذه المشتتات التي تحيط بنا؛ وبالتالي تظل محبوسة في دواخلنا، مسببة لنا إرهاقًا وإجهادًا وقلة تركيز على أولوياتنا.
فالانتظار بدون مشتتات يعيد لنا ترتيب هذه المواقف والأشياء، والتصالح معها، واتخاذ قرارات لإنهائها وحذفها من قائمتنا الطويلة المرهقة، لتجد مساحة أكبر في التركيز على الأولويات والضروريات.
الكل في الصالة كان ممسكًا بهاتفه، ما عدا شخص واحد كان الكتاب رفيقه، ولكن رغم ذلك كان مشتتًا بين الخروج والجلوس في الصالة، وكأنه يقول لنا: رغم محاولته أن يكون مختلفًا عن البقية بصحبة الكتاب، إلا أنه لم يكن كافيًا.
حتى أولئك الذين بصحبة أطفالهم، لاهون عنهم بهواتفهم. كان أحدهم ممسكًا بهاتفه في وضعية واحدة، حتى أنني أشفقت على رقبته المسكينة وعموده الفقري الذي أكاد أسمع آهاته وأنينه وطلباته للوقوف لتغيير الوضعية. لم يكن هذا الشخص يقرأ شيئًا مهمًا، كان يتصفح قائمة المتابعين الطويلة في أحد حساباته على أحد برامج التواصل الاجتماعي.
السكون المخيف في الصالة كان كافيًا لمعرفة كيف أن الجميع راضٍ بالأسر في أجهزتهم. لا حوار ولا كلمة تم تبادلها طوال انتظاري الذي قارب الثلاث ساعات!
حين انطفأ هاتفي بسبب نفاد البطارية، شعرت بالضيق والانزعاج: كيف سأقضي وقتي في الانتظار الطويل، الذي يبدو أن هناك طبيبًا واحدًا فقط لهذه القائمة الطويلة من المرضى؟
ذهبتُ باحثًا عن الشاحن في الاستقبال، ولم أجد.
ذهبتُ إلى سيارتي بالرغم أني أدرك أني لا أملك شاحنًا، ولكن لعل ذلك يخفف من ضيقي بسبب انطفاء الهاتف! رجعتُ وأنا مدرك مسبقًا أني لن أجد شاحنًا.
هذا الانطفاء المفاجئ جعلني ألوم نفسي لعدم إحضاري بطارية الشحن الإضافية، أو سلك الشحن المستخدم في السيارة. تناولتُ مذكرتي من السيارة، والتي كتبت فيها أفكارًا لم أجد الوقت لمراجعتها وتفنيدها وإعادة كتابتها.
بدأت أقلب الصفحات، محاولًا استحضار كلماتي من رأسي لكتابتها ووصفها في سطور المذكرة التي تكاد تنطفئ فرحًا بأني رجعتُ لها.
تسلسلت الكلمات في عقلي بعد أن اختفى ما يشتتها، وانسابت في سطور المذكرة كانسياب الماء في جداول الأفلاج.
شعرتُ حينها أننا بحاجة إلى فسحة من الراحة والابتعاد عن أجهزة الهاتف، لتخفيف كمية المشتتات من المقاطع المرئية السريعة والرسائل والإعجابات في وسائل التواصل الاجتماعي، التي ترهق عقولنا ويومنا، وتعكر مزاجنا، ونجعلنا نفقد تركيزنا على واقع حياتنا.
تذكرت أطفالي الذين كنا دائمًا ننصحهم بالابتعاد عن الأجهزة، كانوا يقولون لنا بكل بساطة: “أنتم أيضًا طوال الوقت مع تلفوناتكم، لماذا لا تبتعدون عنها؟” لم أكن أدرك – أو لم أعطِ اهتمامًا – لملاحظاتهم، وكنت أعتبرها مجرد ردّة فعل ومعاملة بالمثل لأتوقف عن نصحهم.
كانوا يشعرون أنني بعيد عنهم رغم وجودي بينهم، كانوا يرونني شديد التعلق بالهاتف، رغم تبريري أني أستخدمه للتواصل والاتصال بالعمل أو العائلة.
كم من اللحظات الجميلة ضاعت بلا عودة! والتي كان المفترض أن أعيشها بتفاصيلها معهم!
كم من المشاعر التي انطفأت قبل أن تشتعل في دواخل أطفالنا نحوَنا؛ لأننا كنا مشغولين بالأجهزة!
كم من الكلمات والحوارات التي كانت ستخرج منهم ليعبروا عن أنفسهم ويشعروا بقيمتهم وحقوقهم في الاستماع لهم، ولم تجد آذان صاغية بسبب الهاتف الذي لا يفارق أيدينا!
كم من الأسر تعيش في البيت الواحد، ولكن بينهم مسافات بعيدة في التواصل، ولا يستطيعون حتى مناقشة أبسط يومياتهم!
كم وكم كلّفنا الانشغال بالهاتف ووسائل التواصل من فقدان أطفالنا كضحايا لحوادث الشوارع أو الاستغلال الجنسي والعاطفي!
لا بد أن نقرع ناقوس الخطر لأنفسنا قبل أطفالنا، فالأسر تتفكك بإرادتنا نحن، والبيوت تنهدم أمام أعيننا دون أن ندرك ذلك.
إن وضع ضوابط وقوانين صارمة لإعادة التواصل العائلي داخل البيت، ومنها الالتزام بالعادات والتقاليد التي تجعل العائلة تجتمع للوجبات على صحن واحد، والنوم المبكر لنصحو أول الصباح، وتعويد أطفالنا على تنفيذ مسؤوليات البيت، لشغل وقت فراغهم بدل الانشغال بالهاتف عند أول شعور بالملل – قد تكون هذه العادات بسيطة، لكنها تحدث تغييرًا كبيرًا، وتشغل جزءًا من وقتنا الذي سيقلل حتمًا من ارتباطنا بالأجهزة.




