لبنان ليس هامشاً…كيف تُحضّر أميركا وإسرائيل لمكيدة كبرى ضد إيران تحت غطاء “وقف إطلاق النار”؟
في تاريخ الصراعات الكبرى، لم تكن الحروب وحدها هي التي حسمت مصير الأمم، بل كانت أحياناً "الاتفاقات” و”الهدن” أكثر إتقاناً في صنع الهزائم من المعارك المعلنة. فالحرب تضع الخصوم وجهاً لوجه، تكشف الحسابات، وتفضح الأوراق الرابحة والخاسرة. أما الهدنة، حين تُحاك بدهاء، فإنها تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع القنابل فعله: تجميد الخصم في وضعية دفاعية، وإجباره على قبول قواعد اشتباك غير متكافئة، ثم استنزافه بصمت، تحت أنظار العالم الذي يصفق لـ”السلام”.
هذا بالضبط ما سيجري يوم الجمعة 10 ابريل 2026 على طاولة المفاوضات المعلنة بين إيران والولايات المتحدة، برعاية باكستانية لم تحظَ بغطاء إعلامي كافٍ، وبصمت خليجي مطبق لا يخلو من الريبة. تحت عنوان "وقف إطلاق النار” و”خفض التصعيد”، تُحاك في الظل واحدة من أكثر المكائد السياسية إحكاماً منذ نهاية الحرب الباردة. مكيدة لا تستهدف تفكيك القدرات الإيرانية فقط، بل إعادة تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي برمتها، وإخراج إيران من لعبة الردع المتوازن التي أتقنتها لعقود، وإدخالها في متاهة من التفاوض اللانهائي والاستنزاف الصامت.
ما يقرأه المراقب السطحي كـ”انفراج دبلوماسي” أو "فرصة للسلام”، يقرأه المحلل الاستراتيجي العميق كأخطر مرحلة في الصراع المفتوح بين إيران ومحور المقاومة من جهة، والتحالف الأميركي-الإسرائيلي من جهة أخرى. فالهدنة الحالية ليست استراحة محاربين بقدر ما هي إعادة ترتيب للطوابق، وتغيير لقواعد الاشتباك تحت طائلة "عدم كسر الاتفاق”. والأخطر من ذلك كله، أن هذه الهدنة تأتي مع استثناء مفتوح، معلن، ومقصود: جنوب لبنان. هناك حيث تُدار جبهة موازية، لا تخضع لأي تفاهم، ويُسمح فيها لكل شيء ما عدا تجاوز سقف معين يرسمه الطرف الأقوى.
هذا المقال ليس مجرد تحليل عابر لأحداث متسارعة، بل هو محاولة لفضح الهندسة الخفية للمشهد، وقراءة النوايا خلف التصريحات، وكشف المنطق الذي يجعل من "وقف إطلاق النار” أداة حرب، ومن لبنان ساحة تصفية حسابات، ومن إيران هدفاً لمكيدة لا تريد لها أن تنتهي بسلام حقيقي، بل بـ”سلام” يعني استسلاماً تدريجياً تحت عباءة التفاهمات. لن نراوغ هنا: نحن أمام مواجهة وجودية بالوكالة، تُستخدم فيها الدبلوماسية كغطاء، وتُفصل فيها الجبهات عمداً، ويُترك فيها لبنان ليشعل أو لا يشعل حسب حاجة الطرف المعتدي. ومن يقرأ خرائط النوايا بدلاً من البيانات الصحفية، سيدرك أننا لا نسير نحو سلام، بل نحو مرحلة جديدة وأخطر من الصراع، قد تكون تمهيداً لحرب لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها.
وقف إطلاق النار الذي ليس وقفاً – تفكيك طبيعة "الهدنة” الحالية
في لغة الاستراتيجيا العسكرية، ليس كل هدنة "وقفاً لإطلاق النار” بالمعنى الإنساني أو القانوني. هناك هدن تكتيكية هدفها كسب وقت لإعادة التموضع، وهناك هدن استراتيجية تهدف إلى تغيير ميزان القوى دون إطلاق رصاصة واحدة. وما يجري اليوم بين إيران والولايات المتحدة ينتمي إلى النوع الثاني، بل هو نموذج متطور من "إدارة الصراع” التي أتقنتها واشنطن في عقود ما بعد الحرب الباردة.
الهدنة الحالية، التي لم تُعلن رسمياً بالكامل، بل تسربت عبر قنوات دبلوماسية وإعلامية، تحمل في طياتها مفارقة كبرى: إنها اتفاق على عدم التصعيد، لكنها لا تمنع التصعيد، بل تنظّمه. إنها تضع سقفاً للضربات المباشرة، لكنها تترك الباب مفتوحاً لكل أشكال الحرب غير المباشرة: السيبرانية، الاستخباراتية، الاقتصادية، والعسكرية المحدودة. وهذا هو جوهر المكيدة: تحويل المواجهة من حالة حرب تقليدية يمكن قياسها، إلى حالة ضبابية يصعب فيها تحديد من خرَق الاتفاق أولاً، ومن يتحمل مسؤولية التصعيد.
المدة الزمنية للهدنة – التي تحدثت عنها التسريبات بأنها تمتد لأسبوعين فقط – ليست تفصيلاً تقنياً عابراً، بل هي رسالة مشفرة. المدة القصيرة تعني أن الطرفين لا يثقان ببعضهما، وأن ما يجمعها ليس رؤية مشتركة للسلام، بل خوف مؤقت من الانفجار. كما تعني أن كل طرف يريد الاحتفاظ بورقة التصعيد في جيبه، وألا يمنح الآخر فرصة لترتيب أوراقه بهدوء. بالنسبة للولايات المتحدة، المدة القصيرة تسمح باختبار نوايا إيران دون التزام طويل الأمد. فإن التزمت إيران بالهدنة، يُمدد الاتفاق؛ وإن خرقت، يكون العذر جاهزاً لتصعيد أوسع. أما بالنسبة لإسرائيل، فهذه المدة القصيرة مثالية: فهي تسمح لها بمواصلة عملياتها في لبنان وسوريا تحت شعار "هذه الجبهة ليست جزءاً من الاتفاق”، مع العلم أن الهدنة ستنتهي قريباً، وقد تعود القيود المفروضة على إيران إلى ما كانت عليه.
أخطر ما في هذه الهدنة هو غموضها المتعمد. لا توجد وثيقة موقعة، ولا بنود واضحة، ولا آلية للتحقق. كل طرف يروي قصته: الإيرانيون يقولون إنهم فرضوا شروطهم العشرة، والأمريكيون يقولون إنهم انتزعوا تنازلات حاسمة. والحقيقة، كالعادة، في منطقة رمادية لا تخدم إلا الطرف الأقوى. فالغموض يسمح لكل طرف بتفسير الاتفاق لمصلحته، ويجعل عملية كشف الخروقات مستحيلة تقريباً، ويحول أي نقاش حول الانتهاكات إلى معركة روايات لا نهاية لها. وهذا هو بالضبط ما تريده واشنطن وتل أبيب: اتفاق لا يمكن لأحد أن يثبت من خرقَه، ومن ثم القدرة على الضغط على إيران باستمرار تحت طائلة "أنتِ من تهدد الهدنة”. إنها لعبة نفسية واستراتيجية بامتياز، هدفها إبقاء إيران في حالة دفاع دائمة، وجعلها تبدو كطرف معرقل للسلام، حتى وهي تلتزم بكل شيء.
تصريح نتنياهو ليس زلة لسان، بل إعلان نوايا – قراءة في خريطة الاستثناءات
في السياسة الدولية، ليس كل تصريح صريح هو "زلة لسان”. بعض التصريحات تكون محسوبة بدقة، وتُطلق في توقيت معين لفضح ما يجري خلف الأبواب المغلقة، أو لترسيخ حقائق جديدة على الأرض. تصريح بنيامين نتنياهو بأن "جنوب لبنان ليس جزءاً من أي هدنة مع إيران” هو واحد من هذه التصريحات التي يجب ألا نقرأها كخبر عابر، بل كوثيقة استراتيجية تفضح نوايا الاحتلال.
الرسالة التي أرسلها نتنياهو بهذا التصريح متعددة الطبقات:أولاً، إلى إيران: لا تعتقدي أن الهدنة ستقيّد حركتنا، فنحن نملك حق استهداف حلفائك أينما كانوا، ولن نسمح لك بتحويل جبهة لبنان إلى منطقة آمنة.ثانياً، إلى الولايات المتحدة: أنا لا أوقّع على أي اتفاق يمنعني من الدفاع عن أمن إسرائيل، وأتوقع منك ألا تطلب مني ذلك.ثالثاً، إلى حزب الله: الهدنة لا تشملك، فاستعد لأي شيء.ورابعاً، إلى العالم: لا تنخدعوا بسرديات السلام، فالحرب مستمرة على جبهة واحدة على الأقل.
لماذا أصر نتنياهو على تسمية لبنان، وليس العراق أو سوريا أو اليمن؟ الجواب يكمن في خصوصية الجبهة اللبنانية. حزب الله ليس مجرد حليف لإيران، بل هو أقوى أذرعها العسكرية، والأكثر قدرة على إلحاق ضرر نوعي بإسرائيل. يمتلك ترسانة صاروخية دقيقة، وخبرات قتالية فريدة، وانتشاراً جغرافياً يهدد العمق الإسرائيلي. استهداف حزب الله يعني استهداف العمق الاستراتيجي لإيران، وإضعاف أقوى أوراقها التفاوضية. علاوة على ذلك، لبنان هو الساحة التي أثبتت فيها إسرائيل، في حرب 2006، أنها لا تستطيع تحقيق نصر حاسم. ومنذ ذلك الحين، وهي تبحث عن فرصة لاستعادة الردع، وتصفية الحسابات، وتغيير المعادلة. الهدنة الحالية مع إيران تمنحها هذه الفرصة: بينما تنشغل طهران بمفاوضات الملف النووي وتخفيف العقوبات، تستطيع إسرائيل أن تدير جبهة لبنان بحرية، وتضغط على حزب الله دون خوف من رد إيراني مباشر قد ينسف الاتفاق.
هذا الاستثناء ليس مجرد "تفسير إسرائيلي” للهدنة، بل يبدو أنه جزء من التفاهمات غير المعلنة. وكأن واشنطن قالت لطهران: "نحن نتفاوض معك على الملف النووي والعقوبات، لكن لا تطلب منا كبح جماح إسرائيل في لبنان. هذا شأنك أنت وحزب الله”. وهنا تكمن خطورة الموقف: إما أن ترد إيران على أي ضربة إسرائيلية في لبنان، فتخرق الهدنة وتتحمل تبعات ذلك، أو تصمت، فتفقد هيبتها وتُظهر حزب الله كحليف غير محمي. هذه معادلة صعبة، بل مستحيلة. وإيران تدرك ذلك، ولذلك تحاول التحرك بحذر: ردود محدودة، غموض في التهديدات، وإبقاء الباب مفتوحاً لتفاهمات موازية مع واشنطن تضمن عدم تجاوز إسرائيل لخطوط حمراء معينة. لكن السؤال: هل ستلتزم إسرائيل بهذه الخطوط؟ أم أن لديها مشروعاً مختلفاً تماماً؟
لبنان ليس هامشاً – لماذا أصبحت هذه الجبهة هي الأخطر في الإقليم؟
عندما ننتقل من مرحلة التحليل قبل الحرب إلى لحظة "الهدنة” أثناء الصراع، يتغير شكل القراءة لكن لا يتغير جوهرها. ما يبدو اليوم كأنه انتقال نحو التهدئة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليس بالضرورة بداية سلام، بل قد يكون – في أكثر التقديرات واقعية – "مرحلة إعادة تموضع داخل حرب لم تنتهِ أصلاً”.هنا تحديداً يجب إعادة قراءة كل ما سبق، لكن من زاوية مختلفة: "زاوية ما بعد وقف إطلاق النار، لا ما قبله”.
الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين، والتي روّج لها دونالد ترامب كنجاح تفاوضي، لا يمكن فهمها كاتفاق نهائي، بل كأداة. في علم الصراعات، هناك فرق كبير بين "إنهاء الحرب” و”إدارة الحرب”، وما يحدث اليوم ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. فحين تدّعي واشنطن أن إيران وافقت على شروطها، وتصر طهران على العكس، نحن لا أمام تناقض فقط، بل أمام "حرب روايات موازية للحرب الميدانية”.
هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل هو جزء من بنية الهدنة نفسها. لأن الاتفاق الحقيقي – إن وُجد – لم يُكتب بالكامل، ولم يُعلن بالكامل، وربما لم يُحسم بالكامل. ما تم الاتفاق عليه هو فقط الحد الأدنى: "تجميد التصعيد المباشر، لا إنهاء أسبابه”. وهنا تكمن خطورة اللحظة.
الملف النووي، الذي يُفترض أنه جوهر الخلاف، لم يُحل. بل تم تأجيله داخل صيغة غامضة. لا إعلان واضح عن وقف التخصيب، ولا اعتراف صريح بحقه الكامل. هذا النوع من الغموض ليس ضعفاً في التفاوض، بل أسلوب متعمّد. لأنه يسمح لكل طرف بأن يحافظ على روايته، وفي الوقت نفسه يُبقي الباب مفتوحاً لأي تفسير لاحق.
لكن إذا كان هذا هو السطح، فإن العمق مختلف تماماً. ما يجري فعلياً هو "فصل المسارات”. يتم تهدئة جبهة، وترك جبهات أخرى مشتعلة. يتم التفاوض على النووي، مع استمرار الضغط في الإقليم. وهذا ما يجعل الحديث عن "السلام” مضللاً.
وكما ذكرنا سابقاً، تصريحات بنيامين نتنياهو بأن الهدنة لا تشمل جنوب لبنان، ليست مجرد موقف سياسي، بل إعلان صريح عن استمرار الحرب… لكن في مكان آخر. لبنان، في هذه المعادلة، لا يُعتبر ساحة ثانوية، بل ساحة بديلة. هو المكان الذي يمكن فيه استمرار الاشتباك دون نسف التفاهمات الكبرى.
هنا يجب تعديل زاوية النظر: لم يعد السؤال "هل لبنان سيشعل الحرب؟” بل "كيف سيُستخدم لبنان داخل مرحلة ما بعد الهدنة؟”.
لبنان اليوم لم يعد فقط نقطة اشتعال محتملة، بل أصبح "أداة ضغط ميدانية داخل التفاوض نفسه”. إسرائيل أدركت أن المواجهة المباشرة مع إيران مكلفة وخطرة، لكنها تدرك أيضاً أن الضغط على حلفاء إيران – وعلى رأسهم في لبنان – أقل كلفة وأكثر فاعلية. لذلك، فإن إبقاء هذه الجبهة مفتوحة ليس فشلاً في التهدئة، بل جزء من تصميمها.
الاشتباك في لبنان لم يتوقف أصلاً. الطائرات لم تغادر الأجواء، العمليات الاستخباراتية مستمرة، الاستهدافات لم تختفي. الفرق الوحيد هو أن هذه العمليات باتت تُقرأ الآن ضمن سياق مختلف: "ليست مقدمة لحرب، بل أداة ضمن مفاوضات”.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لأن تحويل ساحة مثل لبنان إلى "أداة تفاوض” يعني رفع مستوى المخاطرة فيها بشكل هائل. كل ضربة تصبح رسالة، وكل رد يصبح موقفاً سياسياً، وكل خطأ يصبح احتمال حرب. في هذه البيئة، لا يعود الاشتباك مجرد احتكاك عسكري، بل يتحول إلى "لغة تفاوض بالنار”.
المشكلة أن هذه اللغة لا تُضبط دائماً.
لبنان، بطبيعته، بيئة مثالية لسوء التقدير. كثافة الاشتباك اليومية، غياب قنوات اتصال مباشرة، وتعدد الأطراف، كلها عوامل تجعل من أي حادث صغير شرارة محتملة. لكن في مرحلة ما بعد الهدنة، تزداد الخطورة، لأن كل طرف يحاول "اختبار حدود الآخر دون كسر الاتفاق”.
إسرائيل قد ترفع سقف ضرباتها تدريجياً، لمعرفة أين الخط الأحمر الحقيقي. وحلفاء إيران قد يردون بشكل محسوب، لكن مع رسائل أقوى. ومع كل جولة، يقترب الطرفان من النقطة التي لا يمكن العودة بعدها.
هذا ما يجعل لبنان اليوم أخطر من قبل الهدنة، لا أقل خطورة.
لأن قبل الهدنة، كان التصعيد واضحاً، وكانت الخطوط الحمراء أقرب إلى الثبات. أما الآن، فكل شيء يدخل في منطقة رمادية. ما هو مسموح؟ ما هو الممنوع؟ لا أحد يعرف بدقة. وهذه الضبابية هي البيئة المثالية للانفجار.
إذا انتقلنا إلى السيناريوهات، سنجد أنها لم تختفِ، بل أعيد ترتيبها.
سيناريو لبنان لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح "المسار الأكثر واقعية للتصعيد غير المقصود”. لأنه لا يحتاج قراراً كبيراً، بل فقط تراكماً من الأخطاء. ضربة أقوى من المعتاد، رد غير متوقع، ثم سلسلة من التفاعلات التي لا يمكن إيقافها.
أما سيناريو الضربة داخل إيران، فقد أصبح أكثر تعقيداً. الهدنة تقيّد هذا الخيار مؤقتاً، لكنها لا تلغيه. بل قد تجعله أكثر خطورة إذا حدث، لأنه سيُعتبر كسراً مباشراً للتفاهم. وهذا يعني رداً إيرانياً أكبر، وليس أقل.
سيناريو استهداف قاعدة أميركية يبقى قائماً، لكنه أقل احتمالاً في هذه المرحلة، لأن جميع الأطراف تحاول تجنّب استفزاز مباشر لواشنطن خلال المفاوضات. لكن كما في كل الحروب، "الخطأ” يبقى العامل الأكثر خطورة.
أما السيناريو النووي، فقد تم تأجيله، لا إلغاؤه. إيران لا تزال تحتفظ بهذه الورقة، لكنها تفضل استخدامها داخل التفاوض، لا خارجه. رفع التخصيب الآن سيعني نسف الهدنة، وهذا ليس في مصلحتها في هذه اللحظة.
السيناريو الخليجي يبقى الأبعد، لأن كلفته عالية جداً على الجميع. استهداف منشآت النفط سيحوّل الصراع إلى حرب دولية مفتوحة، وهو ما تحاول كل الأطراف تجنّبه حالياً.
لكن كل هذه السيناريوهات، رغم اختلاف احتمالاتها، تشترك في نقطة واحدة: "أنها لم تختفي مع الهدنة، بل أصبحت أكثر تعقيداً”.
لماذا هذه المكيدة تحديداً الآن؟ – قراءة في التوقيت الاستراتيجي
الحرب على غزة، رغم قسوتها، أعطت دروساً استراتيجية للجميع. أثبتت إسرائيل أنها قادرة على تدمير قطاع بكامله، لكنها أثبتت أيضاً أنها غير قادرة على تحقيق "النصر الحاسم” ضد حركات المقاومة. كما أثبتت إيران أنها قادرة على إدارة جبهات متعددة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وهذا التوازن الجديد يحتاج إلى إعادة تعريف. الهدنة الحالية هي محاولة من واشنطن وتل أبيب لإعادة تعريف قواعد اللعبة لمصلحتهما. الهدف هو: إبقاء إيران في حالة تفاوض دائمة، مما يمنحها وهم التقدم بينما تستنزف قدراتها التفاوضية. وفي الوقت نفسه، فتح جبهات جانبية (لبنان أولاً) لتصفية الحسابات مع حلفاء إيران، وتقليص نفوذها الإقليمي، دون إشعال مواجهة مباشرة.
أذكى ما في هذه الاستراتيجية هو "فصل الملفات”. فبدلاً من صفقة شاملة تشمل كل شيء (النووي، العقوبات، النفوذ الإقليمي، لبنان، العراق، اليمن)، يتم تقسيم الملفات إلى أجزاء صغيرة، يُتفاوض على كل جزء على حدة، وبوتيرة بطيئة. وهذا يخدم الطرف الأقوى، لأنه يمنعه من تقديم تنازلات كبيرة، ويبقي الطرف الأضعف في حالة ترقب دائم. إيران تريد صفقة كبرى: تخفيف عقوبات مقابل قيود نووية، مع اعتراف بدورها الإقليمي. أميركا تريد العكس: تفكيك الملفات، وإبقاء العقوبات كأداة ضغط، ومناقشة النووي فقط، مع ترك الباب مفتوحاً لاستمرار الضغط على الحلفاء. وهنا تكمن المكيدة: إما أن تقبل إيران بهذا الفصل، فتفقد جزءاً كبيراً من قوتها التفاوضية، أو ترفض، فتتّهم بتعطيل السلام.
لا يمكن فهم المكيدة دون النظر إلى الداخل الإيراني. إيران تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وعقوبات متراكمة، واحتجاجات داخلية متقطعة، وتعبئة اجتماعية متعبة. هذا الوضع يضعف الموقف التفاوضي لطهران، ويمنح واشنطن فرصة للضغط من موقع قوة. الإدارة الأميركية تراهن على أن إيران قد تقبل بتسوية أقل من طموحاتها، فقط لتخفيف الضغط الاقتصادي وتحسين الأوضاع الداخلية.
وهنا يظهر البعد الإنساني للمكيدة: استخدام معاناة الشعب الإيراني كورقة ضغط لابتزاز النظام سياسياً. فكلما طالت العقوبات، زادت الاحتجاجات، وضعف النظام، وأصبح أكثر استعداداً للتنازل. وهذا ليس مجرد تحليل، بل هو استراتيجية معلنة في وثائق السياسة الأميركية: "إضعاف إيران من الداخل قبل التفاوض معها من الخارج”.
هل تقع إيران في الفخ؟ – قراءة في خيارات طهران
قبل أن نتهم إيران بالسذاجة أو الانخداع، يجب أن نعترف بأن طهران تدرك جيداً طبيعة المكيدة. لديها أجهزة استخباراتية قادرة، وتجارب تفاوضية متراكمة، وخبرة في قراءة النوايا الغربية. لكن المشكلة ليست في "الوعي” بالمكيدة، بل في "الخيارات” المتاحة. فإيران تواجه معضلة حقيقية: إما الموافقة على هدنة غير متكافئة، وإما الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون مدمرة. إيران اختارت، حتى الآن، الخيار الأول: الموافقة على الهدنة، والدخول في مفاوضات، مع الاحتفاظ بحق الرد المحسوب. هذا الخيار يمنحها عدة مزايا: كسر العزلة الدبلوماسية، تخفيف الضغط الاقتصادي جزئياً، كسب وقت لتطوير القدرات النووية والعسكرية، وإظهار نفسها كطرف معتدل يسعى للسلام. لكنه يحمل أيضاً مخاطر كبيرة: استنزاف الحلفاء، تراجع الردع، والوقوع في فخ التفاوض اللانهائي.
كيف تحاول إيران الخروج من هذا المأزق؟ عبر استراتيجية تقوم على ركيزتين: الأولى، الغموض الاستراتيجي، خاصة في الملف النووي. إيران لا تعلن صراحة أنها تسعى للسلاح، لكنها تبقي الجميع في حالة شك. هذا الغموض يربك حسابات الأعداء، ويمنعهم من اتخاذ قرار الضرب، ويبقي إيران في موقع القوة التفاوضية.
الثانية، الردع المتناظر، أي الرد على أي ضربة في أي ساحة، ولكن بحجم محسوب لا يؤدي إلى حرب شاملة. فإذا ضربت إسرائيل في لبنان، رد حزب الله بحجم معين. وإذا استهدفت إيران، رد الحرس الثوري بشكل مباشر. هذه المعادلة تحاول تثبيت قواعد اشتباك جديدة، تقول: "لن نسمح باستهداف حلفائنا مجاناً، لكننا أيضاً لا نريد حرباً شاملة”. لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب عاملين أساسيين: قدرة على ضبط النفس، وقدرة على قراءة نوايا الخصم بدقة. وأي خطأ في أحدهما قد يؤدي إلى انهيار كل شيء.
إيران تدرك أن الهدنة الحالية قد تكون مجرد مرحلة انتقالية. وقد تكون مستعدة لكسر الطوق في اللحظة المناسبة، إذا شعرت أن المفاوضات لم تعد مجدية، وأن الضغط تجاوز الحدود المسموحة. كسر الطوق قد يأتي بأشكال متعددة: رفع التخصيب بشكل مفاجئ، ضربة عسكرية محدودة لكنها مؤثرة، أو إعادة إغلاق مضيق هرمز. لكن هذه الخطوات تحمل مخاطر كبيرة جداً، وقد تؤدي إلى الحرب الكبرى التي تريد إيران تجنبها الآن . لذلك، من المرجح أن تبقى هذه الخيارات على الرف، كأوراق ضغط أكثر منها كخطط تنفيذية. إلا إذا شعرت إيران أن لا خيار أمامها، وأن المكيدة قد أغلقت كل الأبواب.
السيناريو الزمني خلال 6 أشهر – توقعات مبنية على معطيات ميدانية
في الشهر الأول، سنشهد تثبيتاً للهدنة الهشة، مع استمرار المفاوضات غير المعلنة في باكستان ودول أخرى. لن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، بل إلى تفاهمات مرحلية: تمديد الهدنة لأسبوعين آخرين، تبادل رسائل عبر وسطاء، وتجنب أي تصعيد كبير. في الوقت نفسه، ستستمر الضربات المحدودة في لبنان وسوريا، لكن ضمن سقف منخفض نسبياً. الجميع سيراقب الجميع، ولن يريد أحد أن يكون البادئ بالتصعيد الكبير. هذه المرحلة قد تبدو "هادئة” إعلامياً، لكنها في الواقع شديدة التوتر. كل طرف يحاول اختبار حدود الآخر، ورسم خطوط حمراء جديدة، وإعادة ترتيب صفوفه تحسباً للمراحل القادمة.إذا استمرت الهدنة، سننتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً خلال الشهر الأول إلى الثالث. هنا، ستبدأ الضغوط غير المباشرة في التصاعد: عقوبات جديدة محدودة، عمليات سيبرانية، استهدافات لشخصيات، وتصريحات نارية من هنا وهناك. إيران ستحاول الرد بشكل محسوب، بينما إسرائيل ستسعى لدفعها إلى خطأ. نقطة التحول في هذه المرحلة ستكون: هل تلتزم إيران بالسقف الذي تريده أميركا، أم ستكسره؟ هل ستسمح باستمرار الضربات في لبنان دون رد قوي، أم ستقرر فجأة تغيير قواعد اللعبة؟ الاختيار صعب، والضغط كبير.عند الشهر الثالث إلى السادس، سنشهد أحد ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأكثر احتمالاً هو "توازن ردع هش ومستنزف”، حيث ستستمر الهدنة بشكل غير رسمي، دون اتفاق نهائي. لن تكون هناك حرب شاملة، لكن لن يكون هناك سلام حقيقي أيضاً.استمرار الاشتباك المحدود في لبنان وسوريا، مع تفاهمات ضمنية على عدم تجاوز خطوط حمراء معينة. الجميع سيكون مرهقاً، لكن لا أحد سيرضى بالاستسلام. هذا السيناريو قد يمتد لأشهر أو حتى سنوات، وهو الأسوأ لأن لا أحد يربح فيه، لكنه الأكثر واقعية في ظل توازن القوى الحالي.
أما السيناريو الثاني، وهو متوسط الاحتمال، فهو "تصعيد مفاجئ وخطأ محسوب”، حيث سيحدث تصعيد مفاجئ بسبب خطأ تقديري من أي طرف. قد تكون ضربة إسرائيلية نوعية في لبنان تؤدي إلى رد غير متوقع من حزب الله، أو اغتيال شخصية كبرى، أو حادث عابر يتحول إلى أزمة. عندها، ستنهار الهدنة، وسندخل في دوامة تصعيد قد لا يمكن السيطرة عليها. لكن هذا لا يعني بالضرورة حرباً شاملة؛ فقد تنجح جهود الوساطة في احتواء التصعيد بعد أيام أو أسابيع من التوتر الشديد.
أما السيناريو الثالث، وهو ضعيف الاحتمال، فهو "اختراق دبلوماسي حقيقي”، وهو السيناريو الذي يتمناه الكثيرون. سيتطلب اختراقاً حقيقياً في ملف التخصيب النووي، مع تقديم تنازلات كبيرة من الجانبين، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية غير متوفرة حالياً.
الخلاصة – حرب لم تعلن بعد، لكنها تُدار بالفعل
بعد هذا التحليل الطويل والمعمق، نصل إلى خلاصة لا مفر منها: ما يجري في المنطقة اليوم ليس سلاماً، وليس حتى هدنة حقيقية بالمعنى الإنساني. إنه "نظام متقدم لإدارة الصراع”، صممته واشنطن وتل أبيب لتحقيق أقصى ضغط على إيران بأقل كلفة. نظام يقوم على إبقاء إيران في حالة تفاوض دائمة، وفصل الملفات لتسهيل الضغط، واستثناء جبهة لبنان كساحة مفتوحة للتصعيد المحدود.
لبنان ليس هامشاً في هذه المعادلة، بل هو مركز الثقل وقلب المكيدة. ففي لبنان تُختبر قدرات حزب الله، وتُستنزف طاقاته، وتُعاد تعريف قواعد الاشتباك. وفي لبنان قد تنطلق الشرارة التي تحول هذا التوازن الهش إلى انفجار لا يمكن السيطرة عليه.
إيران ليست ضحية ساذجة، بل لاعب استراتيجي يدرك جيداً طبيعة اللعبة. لكن إدراك الفخ لا يعني القدرة على كسره بسهولة. فخيارات طهران محدودة بين المطرقة والسندان: إما قبول هدنة غير متكافئة واستنزاف الحلفاء، أو المخاطرة بحرب شاملة قد تكون الأخطر في تاريخ المنطقة.في كلا الحالتين، الثمن باهظ. الاستراتيجية الإيرانية الحالية تقوم على مزيج من الغموض والردع المتناظر، مع محاولة كسب الوقت وتطوير القدرات. لكن هذه الاستراتيجية قد تصل إلى حدودها القصوى خلال الأشهر القادمة، خاصة إذا زادت إسرائيل من ضغطها في لبنان، أو إذا شعرت إيران أن المفاوضات لم تعد مجدية.
في زمن تتحدث فيه الوقائع بصوت أعلى من التصريحات، وفي زمن تموت فيه الأكاذيب سريعاً تحت وطأة الأحداث، يبقى السؤال الأخلاقي والاستراتيجي الأهم: من يملك الشجاعة للاعتراف بالحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تقال؟ الحقيقة أن المنطقة ليست على حافة الحرب ما بعد الهدنة، بل هي داخل حرب باردة متصاعدة، تنتظر شرارة لتنقلب إلى حرب كبرى ساخنة.
والحقيقة أن الهدنة الحالية ليست فرصة للسلام، بل هي غطاء لمكيدة كبرى ضد إيران وحلفائها. والحقيقة أن لبنان ليس هامشاً، بل هو ساحة الاختبار الأهم، وقد يكون ساحة التصفية القادمة. من يقرأ هذه الحقائق بعيون مفتوحة، سيدرك أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، لكن كل شيء يمهد لها. والمكيدة لا تُكشف بالشعارات، بل بقراءة خرائط النوايا كما هي، لا كما يُراد لها أن تُعرض.
وفي النهاية، سيبقى التاريخ هو الحكم الوحيد على من كان على حق، ومن كان مجرد أداة في لعبة كبرى لا تعرف الرحمة. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً، بقلق وألم: هل سينتبه الجميع قبل فوات الأوان، أم أن الحرب الكبرى ستأتي كالصاعقة، من حيث لا يحتسبون، ويوم لا ينفع الندم؟ هذا ما سنراه في الأشهر القادمة.
سالم أيوب -موقع طــــوفـــــان





