لبنان خارج الهدنة: إسرائيل تعيد رسم قواعد الاشتباك وتضغط لتغيير موازين التفاوض
في توقيت كان يُفترض أن يشهد بداية مسار تهدئة إقليمي بعد إعلان هدنة بين واشنطن وطهران، جاء التصعيد الإسرائيلي على لبنان ليكشف هشاشة هذا التفاهم وحدوده الفعلية، فبدلاً من انتقال المنطقة إلى مرحلة احتواء التصعيد، بدا أن بعض الجبهات تُعاد صياغتها بالقوة.
المشهد لم يكن مجرد خرق عابر للهدنة، بل أظهر أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يشمل عملياً جميع الساحات، أو أنه تُرك مفتوحاً لتفسيرات متباينة، خصوصاً في ما يتعلق بلبنان، وبينما كانت قنوات الوساطة الإقليمية تعمل على تثبيت التهدئة، كانت الوقائع الميدانية تسير في اتجاه معاكس.
في هذا التقرير، تتكشف كواليس الساعات التي سبقت الضربة الإسرائيلية، وتفاصيل الاتصالات التي سبقتها، وكيف قرأت الحكومة اللبنانية هذا التصعيد، إضافة إلى المواقف الإيرانية وتحركات الوسطاء، في لحظة تبدو فيها المنطقة أمام اختبار حقيقي: هل تُفرض التهدئة سياسياً، أم يُعاد رسمها عسكرياً؟
التصعيد الإسرائيلي على لبنان
في مشهد يعكس تعقيد التداخل بين المسارات السياسية والعسكرية، جاء التصعيد الإسرائيلي على لبنان بعد ساعات فقط من إعلان اتفاق هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة بدت وكأنها نسف عملي للتفاهم قبل أن يبدأ تطبيقه على أرض الواقع.
ووفق مصدر حكومي لبناني رفيع لـ”عربي بوست”، فإن ما جرى لا يمكن قراءته كتصعيد منفصل، بل كقرار إسرائيلي واعٍ بفصل الساحة اللبنانية عن الإطار التفاوضي، وفرض وقائع ميدانية جديدة تُعيد رسم ميزان القوى قبل تثبيت أي قواعد سياسية.
الضربة الإسرائيلية اتسمت بكثافة وتزامن غير مسبوقين، حيث استهدفت عشرات المواقع خلال دقائق، وشملت نطاقاً جغرافياً واسعاً من بيروت وضاحيتها إلى الجنوب والبقاع، بما يعكس انتقال العمليات إلى مستوى “الضغط الأقصى”.
ووفق التقديرات الرسمية، فإن طبيعة الأهداف التي طالت بنى قيادية ومناطق مدنية حساسة، تشير إلى محاولة إحداث صدمة مركّبة، عسكرية وأمنية ونفسية، في آن واحد، وقد أدى ذلك إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، واستنفار كامل للقطاع الصحي، إضافة إلى موجة نزوح داخلية وضغط غير مسبوق على العاصمة.
كواليس ما قبل التصعيد
بحسب مصدر “عربي بوست”، فإن الساعات التي سبقت التصعيد الإسرائيلي على لبنان شهدت حركة اتصالات مكثفة مع بيروت، قادتها قنوات فرنسية وقطرية وتركية وباكستانية، أبلغت خلالها الحكومة اللبنانية بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني يتضمن عملياً تهدئة متزامنة على مختلف الساحات المرتبطة بإيران، بما فيها لبنان.
هذه الرسائل خلقت انطباعاً أولياً داخل الدولة اللبنانية بأن هناك “مظلّة سياسية” تمنع الانزلاق إلى تصعيد كبير، إلا أن هذا الانطباع سرعان ما تبيّن أنه يفتقر إلى أدوات التنفيذ، إذ لم تترافق هذه التطمينات مع أي التزامات أمريكية واضحة بإلزام إسرائيل.
ويكشف المصدر أن رئيس الحكومة نواف سلام تلقى اتصالات من مسؤولين غربيين أكدوا أن واشنطن “تتابع الوضع وتعمل على تثبيت الهدنة”، لكنها في الوقت نفسه لم تُظهر استعداداً فورياً لفرض وقف العمليات على حكومة بنيامين نتنياهو.
هذا التباين، وفق القراءة الحكومية، يعكس مقاربة أمريكية تقوم على إدارة التصعيد وليس منعه، أو على الأقل السماح لإسرائيل باستثمار اللحظة الإقليمية لتحقيق مكاسب ميدانية قبل تثبيت أي وقف شامل للنار.
وساطة إقليمية لاحتواء الوضع
في موازاة ذلك، برز مسار تركي-قطري نشط حاول ملء الفراغ التنفيذي في الاتفاق، فقد قادت قطر وتركيا سلسلة اتصالات متوازية مع واشنطن وطهران، إلى جانب تواصل مباشر مع بيروت وقنوات غير مباشرة مع تل أبيب عبر وسطاء، بهدف تثبيت شمول لبنان بالهدنة.
وبحسب المصدر، نقلت الدوحة وأنقرة إلى الحكومة اللبنانية تأكيدات واضحة بأن لبنان جزء من التفاهم، وسعتا إلى تحويل هذا البند إلى التزام عملي ضمن آلية التنفيذ. إلا أن هذا الجهد اصطدم سريعاً بعقبتين أساسيتين: رفض إسرائيلي الالتزام الفوري، وتردد أمريكي في ممارسة ضغط حاسم.
داخل السراي الحكومي، تتبلور قناعة واضحة بأن إسرائيل لا تتعامل مع الهدنة كإطار ملزم، بل كنافذة زمنية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بالقوة، فتكثيف الضربات، وتوسيع نطاقها الجغرافي، واستهدافها لبنى أكثر حساسية، كلها مؤشرات على استراتيجية تهدف إلى فرض معادلة ميدانية ضاغطة تُستخدم لاحقاً كورقة تفاوضية.
ويشير المصدر إلى أن تسمية العملية وتوقيتها يعكسان قراراً مسبقاً بالتصعيد، لا علاقة له برد فعل آني، بل بخطة تهدف إلى تحسين موقع إسرائيل في أي مسار سياسي لاحق، سواء مع لبنان أو ضمن الإطار الإقليمي الأوسع.
أمام هذا الواقع، أطلقت الحكومة اللبنانية تحركاً دبلوماسياً واسعاً شمل باريس والدوحة وأنقرة وإسلام آباد، في محاولة لتثبيت وقف النار على الجبهة اللبنانية، وكانت الرسالة التي نُقلت إلى هذه العواصم واضحة: أن استمرار العمليات الإسرائيلية لا يعني فقط استثناء لبنان من الاتفاق، بل يهدد بإسقاطه بالكامل.
كما أبلغت بيروت هذه الجهات أن الوضع الداخلي لا يمكن احتواؤه إلى ما لا نهاية، وأن استمرار الضربات سيقود حكماً إلى ردود فعل ميدانية تعيد ربط الجبهات، ما يعني عودة التصعيد الإقليمي إلى نقطة الصفر.
تحذير إيراني من خرق الهدنة
في هذا السياق، كشف مصدر “عربي بوست” أن رئيس مجلس النواب نبيه بري تلقى اتصالاً مباشراً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حمل رسالة حاسمة مفادها أن إيران تعتبر استمرار الهجوم الإسرائيلي على لبنان خرقاً مباشراً للهدنة مع الولايات المتحدة.
وبحسب المصدر، أبلغ عراقجي بري أن طهران قد تتجه إلى تجميد العمل بالهدنة أو تعليق التزاماتها بها في حال لم تتوقف العمليات فوراً، مشدداً على أن إدراج لبنان في الاتفاق ليس تفصيلاً، بل بنداً أساسياً، وأن أي استثناء فعلي سيؤدي إلى إسقاط التفاهم وإعادة تفعيل المواجهة على أكثر من ساحة، بما في ذلك الساحات المرتبطة بإيران.
على مستوى حزب الله، تشير مصادر مقربة منه لـ”عربي بوست” إلى أن الحزب اختار التريث وعدم الانخراط فوراً في رد واسع، مانحاً فرصة للمساعي السياسية، وتفادياً للظهور بمظهر من يعرقل اتفاقاً دولياً. إلا أن هذا التريث، وفق المصدر، ليس مفتوحاً زمنياً، بل مرتبط بنتائج الاتصالات خلال فترة قصيرة.
وتفيد التقديرات بأن استمرار العمليات الإسرائيلية من دون أي أفق لوقفها سيؤدي إلى إعادة تفعيل الجبهة اللبنانية، وربما ربطها مجدداً بساحات أخرى، ما يهدد بإعادة إشعال المواجهة الإقليمية بشكل متزامن.
لبنان أمام مفترق طرق حاسم
في ضوء هذه التطورات، يخلص التقدير الحكومي إلى أن لبنان يقف أمام مفترق حاسم: إما نجاح الضغوط الدولية في فرض التزام إسرائيلي بوقف النار، أو استمرار التعامل معه كساحة مستقلة ضمن المواجهة مع إيران، أو انهيار التفاهم الأمريكي-الإيراني بالكامل.
وبين هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم هو موقف الولايات المتحدة، ومدى استعدادها للانتقال من إدارة التصعيد إلى فرض التزامات واضحة على إسرائيل.
وحتى الآن، لا تزال المؤشرات تميل إلى إدارة الأزمة لا حسمها، ما يترك لبنان في قلب معادلة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تختلط الدبلوماسية بالنار، وتُكتب قواعد المرحلة المقبلة تحت وقع الغارات.

