لبنان بين نار الحرب ونار الفتنة... والجيش الضامن الأخير للوحدة
تشير المعطيات الإقليمية المتسارعة إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، حيث لم تعد الحروب تُحسم بسرعة، بل باتت مفتوحة على احتمالات التمدّد والتشعب.
وفي هذا السياق، يبدو واضحًا أن الحرب قد تطول، وأن أي وقف محتمل لإطلاق النار في إيران، إن حصل، لن يعني بالضرورة نهاية المواجهة في لبنان، نظرًا لاختلاف الساحات وتباين الحسابات بين الأطراف المعنية.
هذا الواقع يتعزز مع مواقف رئيس وزراء إسرائيل، الذي يتحدث عن توسيع عملياته في لبنان، ما يفرض توقع الأسوأ في المرحلة المقبلة.
فإسرائيل، التي تسعى إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك على حدودها الشمالية، قد تجد في التصعيد وسيلة لفرض معادلات جديدة، سواء في إطار توسيع العمليات العسكرية أو من خلال اعتماد سياسة استنزاف طويلة الأمد.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن تصور المرحلة المقبلة ضمن أكثر من سيناريو محتمل.
أولها سيناريو التصعيد، حيث قد تتوسع العمليات في الجنوب وتتجه نحو استهدافات أعمق داخل الأراضي اللبنانية، ما يرفع منسوب المخاطر بشكل كبير.
أما السيناريو الثاني، فهو استمرار حالة الاستنزاف، أي بقاء الاشتباكات ضمن وتيرة منخفضة أو متقطعة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو خيار قد تفضله الأطراف لتفادي الكلفة الكبرى مع الحفاظ على الضغط المتبادل.
في حين يبقى السيناريو الثالث قائمًا، وهو التهدئة المؤقتة، حيث قد يتم التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار لا يعالج جذور الأزمة، ما يجعله عرضة للانهيار في أي لحظة.
وهذه السيناريوهات مجتمعة تعكس واقعًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، وتمنح القارئ تصورًا عمليًا لمسار الأحداث بدل الاكتفاء بالتحذيرات العامة.
وأمام هذه التطورات، يبرز واقع أساسي يتمثل في أن اللبنانيين لا يستطيعون السيطرة على قرارات الحرب والسلم، لأنها باتت أكبر من قدرتهم ومرتبطة بصراعات إقليمية ودولية معقدة.
إلا أن ذلك لا يلغي مسؤوليتهم في ضبط أمور أساسية داخلية، وفي مقدمتها إبعاد الفتنة، خصوصًا في ظل مؤشرات توتر بدأت تظهر على الأرض، ما يستدعي أعلى درجات الحذر والوعي.
وتزداد خطورة هذا التحدي في ظل الهشاشة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، والتي تشكل بيئة خصبة لأي توتر داخلي.
فأي تصعيد أمني، مهما كان محدودًا، قد يؤدي إلى موجات نزوح داخلي من المناطق المتوترة، ويضع ضغطًا إضافيًا على المؤسسة العسكرية، فضلًا عن خطر تفكك اجتماعي قد يهدد ما تبقى من تماسك في المجتمع اللبناني.
وهذا ما يجعل الاستقرار الداخلي أولوية لا تقل أهمية عن مواجهة التحديات الخارجية.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري أن تنتبه بعض القوى التي تهاجم الجيش إلى خطورة هذا المسار، لأن المؤسسة العسكرية تبقى الركيزة الأساسية التي لا تزال صامدة في هذا الوطن.
فالجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل هو الضامن الأخير للوحدة، والجهة الوحيدة التي لا تزال تحظى بقبول نسبي من مختلف الأطراف.
إن أي استهداف له، سواء إعلاميًا أو سياسيًا، لا يضعف هذه المؤسسة فحسب، بل يضرب آخر خطوط الدفاع عن الدولة، ويعرض البلاد لمخاطر الفوضى والانهيار.
كما أن على جميع القوى في لبنان أن تدرك أن السجالات السياسية ومحاولات زرع الفتن لن يكون المستفيد منها إلا إسرائيل، التي لطالما استفادت من الانقسامات الداخلية لإضعاف لبنان.
والتجارب السابقة، ولا سيما ما أعقب حرب لبنان ٢٠٠٦، تؤكد أن الانقسام الداخلي كان دائمًا العامل الأخطر في تعميق الأزمات وتوسيع الخسائر.
إن إبعاد الفتنة يتطلب وعيًا ومسؤولية، الوعي لدى الناس في رفض الانجرار خلف الخطابات التحريضية، والمسؤولية لدى الدولة والقوى السياسية في ضبط الأداء والخطاب، لأن أي تهاون في هذا المجال قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.
وفي موازاة ذلك، يبقى العمل الإنساني واجبًا وطنيًا لا يمكن التراجع عنه، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن النازحين هم أهلنا وأبناء هذا الوطن، ويعانون كما يعاني سائر اللبنانيين من تداعيات الأزمات والحروب، ما يفرض مقاربة وطنية جامعة تقوم على التضامن لا على الانقسام، وعلى حماية النسيج الاجتماعي بدل تعريضه لمزيد من التصدع.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها احتمالات التصعيد العسكري مع مخاطر الانهيار الداخلي.
وبينما قد لا يكون قادرًا على التحكم بمسار الصراعات الكبرى، إلا أنه قادر على حماية نفسه من الفتنة، إذا ما توفرت الإرادة والوعي والمسؤولية.
فإما أن يستفيد اللبنانيون من دروس الماضي، أو أن يجدوا أنفسهم مرة جديدة أمام تكرار السيناريوهات نفسها بثمن أكثر كلفة.
The post لبنان بين نار الحرب ونار الفتنة... والجيش الضامن الأخير للوحدة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





