لبنان بين منطق الدولة ومنطق النفوذ: "حزب الله"، إيران وصراع السيادة المفتوح
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
نزيه الخياط*في لحظة إقليمية تتسم بتراكم الضغوط وتبدّل أولويات القوى الكبرى، لم يعد النفوذ الإيراني في الإقليم مساراً مفتوحاً كما كان في العقود السابقة، بل أصبح خاضعاً لمعادلات احتواء متزايدة تراوح بين العقوبات الاقتصادية، المراقبة الدولية، ومحاولات إعادة التوازن الإقليمي من جانب خصوم إيران التقليديين. هذا الواقع يفرض على طهران إعادة التفكير في أدوات النفوذ، ويجعل الانكفاء الجزئي خياراً استراتيجياً، ولكنه انكفاء مشروط، إذ تستمر بعض أدوات التأثير، لا سيما عبر وكلاء محليين، بالعمل في الساحة اللبنانية.في لبنان، أصبح تصادم السيادة مع النفوذ الخارجي ملموساً أكثر من أي وقت مضى. فقد شددت مواقف رسمية لبنانية على حصرية قرار الحرب والسلم في يد الدولة، مؤكدة أن أي ربط للساحة اللبنانية بحسابات إقليمية خارجية، سواء عبر حزب الله أو أي فاعل آخر، يمثل انتهاكاً صريحاً للقرار الوطني. ما يزيد حدة المشهد هو إعلان الحزب رسمياً ولاءه لولاية الفقيه، وتلقيه الدعم المالي والعسكري المباشر، بما يجعل العلاقة مع إيران منطقية من وجهة نظر محتجزة القوة ولكنها مفهومة على أنها وصاية قسرية من منظور غالبية اللبنانيين.إن هذا الانكفاء الإيراني الجزئي يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات: تقليل الانخراط العسكري المباشر خارج حدود إيران، مع الحفاظ على حضور قوي داخل الساحة اللبنانية، بما يحافظ على قدرة الحزب على فرض خيارات استراتيجية من دون دفع تكلفة مفتوحة. وهو وضع دقيق، إذ يفرض على لبنان اختباراً مستمراً لقدرة مؤسساته على استعادة سيادتها وإرادتها أمام أدوات النفوذ المرتبطة بالخارج.انكماش فائض القوة: من الهيمنة إلى قيود الداخلفي مرحلة فائض القوة، اعتمد حزب الله على الدعم الإيراني لتوسيع هامش حركته بشكل غير مسبوق، مستغلاً توازناته الداخلية لتحقيق هيمنة سياسية واجتماعية موازية للدولة. لكن مع تراجع الدعم الإيراني أو إعادة توجيهه نحو أولويات خارجية أخرى، يواجه الحزب انكماشاً نسبياً في القدرة على فرض المعادلات السابقة.هذا الانكماش لا يقتصر على القدرات العسكرية أو المالية، بل يشمل القدرة الرمزية على التأثير في القرار الوطني. فالاعتراضات الرسمية اللبنانية، فضلاً عن رفض جزء من البيئة الشيعية لربط القرار الوطني بالمحددات الإيرانية، تضع الحزب أمام معادلة مزدوجة: الحفاظ على دوره الاستراتيجي من جهة، والتكيّف مع الضغوط الداخلية لاستعادة مرجعية الدولة من جهة أخرى.النتيجة العملية لهذا التحول هي أن الحزب يُجبر على الانتقال من موقع القوة غير المحدودة إلى موقع قيد داخلي وتفاوض دائم مع مؤسسات الدولة، ما يعيد تعريف أدوات النفوذ داخل لبنان، ويطرح أسئلة عن مدى استعداد الحزب لإعادة ترتيب أولوياته في الداخل دون أن يفقد حصانته الاجتماعية والسياسية.الاقتصاد الموازي: من أداة نفوذ إلى عبء سياديشكل الاقتصاد الموازي للحزب أحد أعمدة قوته في مرحلة فائض الدعم الإيراني، حيث أسّس بنية مالية مستقلة تشمل استيراد السلع، التمويل، والقنوات المالية البديلة التي تعمل خارج إطار الدولة الرسمية. وقد مكّن هذا الاقتصاد الحزب من تعزيز نفوذه الاجتماعي، من خلال تقديم خدمات بديلة، شبكات رعاية، وبرامج تمويل اجتماعي ساعدت في كسب ولاء المجتمعات المحلية.لكن مع الانكفاء الإيراني الجزئي وتراجع التمويل، يصبح هذا الاقتصاد عبئاً مزدوجاً: من جهة، يضعف استمرار البنية المالية الخاصة بالحزب؛ ومن جهة أخرى، يواصل التأثير على الاقتصاد الوطني عبر تفكيك الاستقرار المالي، خلق ازدواجية في السياسات الاقتصادية، وتعزيز شعور الاستقلالية الاقتصادية خارج الرقابة الرسمية.الاستنتاج هو أن أي مسار لإعادة دمج الحزب في الدولة أو إعادة توازن السيادة يمر حتماً عبر إعادة صياغة هذه البنية الاقتصادية، وهو تحدٍّ سياسي قبل أن يكون اقتصادياً، إذ يتعلق بمدى قدرة الدولة على فرض قواعدها داخل بيئتها الخاصة.الدولة داخل الدولة: من التعايش إلى التعارضنموذج “الدولة داخل الدولة” كان لفترة طويلة إحدى ركائز نفوذ الحزب، حيث توفّر الحماية العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للأفراد والمجتمعات داخل إطار موازٍ للدولة الرسمية. مع تصاعد التباين بين السيادة اللبنانية والمقاربات الإقليمية للحزب، هذا النموذج أصبح على شفير الاختبار البنيوي.المواقف الرسمية الأخيرة التي شددت على حصرية القرار الوطني في الحرب والسلم وضعت البنية الموازية أمام تحدٍّ مباشر. فلم يعد أي استمرار للبنى غير الرسمية خياراً إدارياً أو سياسياً فقط، بل صار تهديداً للشرعية الوظيفية للدولة نفسها، مع ما يترتب على ذلك من إعادة توزيع للقوة بين مؤسسات الدولة والفعل غير الرسمي.تحوّل النقاش الداخلي: من الانقسام إلى مساءلة السيادةالأهم أن هذا الجدل لم يعد محصوراً في الانقسام التقليدي بين القوى السياسية، بل بدأ يمتد، بدرجات متفاوتة، إلى داخل البيئة الشيعية نفسها، حيث تتزايد مؤشرات التباين في مقاربة العلاقة مع إيران وحدود تأثيرها. هذا يشير إلى أن مسألة السيادة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تحوّلت إلى إشكالية وطنية تتجاوز الانتماءات الطائفية التقليدية، وتعيد تشكيل وعي المجتمع اللبناني تجاه العلاقة بين الدولة والأجندات الخارجية.لبنان أمام اختبار السيادةلم تعد التحولات الجارية مجرد إعادة تموضع إقليمي، بل باتت تعكس تصادماً مفتوحاً بين منطق الدولة ومنطق النفوذ. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال مقتصراً على مستقبل حزب الله، بل على طبيعة الكيان اللبناني نفسه.إنها لحظة اختبار بنيوي: إما استعادة الدولة مرجعيتها الحصرية في القرار السيادي، أو تكريس نموذج ازدواجي تُدار فيه السيادة خارج مؤسساتها.في هذه اللحظة، لا يُقاس مستقبل لبنان بتوازناته، بل بقدرته على حسم موقع السيادة فيه: داخل الدولة… أو خارجها.* أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية



