... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
247814 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6953 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

لبنان بين قدسية التنوع وامتحان الجغرافيا

سواليف
2026/04/23 - 13:14 502 مشاهدة

بقلم: المهندس محمود”محمدخير ” عبيد

لبنان بين قدسية التنوع وامتحان الجغرافيا، وحدة الأرض في مواجهة منطق القوة و محادثات السلام

لبنان ليس مجرد دولة على خارطة الشرق الأوسط، بل هو فكرة قائمة بذاتها قبل أن يكون كيانًا سياسيًا. هو ما زال، رغم كل ما مرّ عليه، يُنظر إليه كـ“سويسرا الشرق” بما يحمله هذا الوصف من دلالة على حيويةٍ ثقافية استثنائية، ووعيٍ جمعي تشكّل عبر قرون من التعايش بين طوائف ومكونات متعددة. هذا النسيج العقائدي والعرقي لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان سرّ تميزها وخصوصيتها بين دول المشرق، ومصدر قوتها الناعمة في محيط كثير الاضطراب.

ومن هذا التعدد، وُلدت أيضًا لحظات فكرية كبرى في تاريخ لبنان، حين ارتفعت من داخله أصوات تنادي بوحدة المشرق أو تصورات أوسع من الحدود الحالية، في لحظة تاريخية كان فيها الحلم بوحدة جغرافية وسياسية أوسع حاضرًا بقوة في الوعي المشرقي. غير أن هذه المشاريع، بما حملته من طموحات، اصطدمت لاحقًا بتحولات الإقليم وتوازنات القوى، وتراجعت لصالح واقع التجزئة والانقسام، حيث بقيت المنطقة في حالة استنزاف مزمن تُغذّى فيه الانقسامات أكثر مما تُبنى فيه جسور الوحدة.

لكن لبنان، رغم كل ذلك، لم يفقد جوهره: بلدٌ قائم على التعدد، لكنه لا ينجو إلا بوحدته.

في لحظتنا الراهنة، تتقدم التحديات من حدود الجنوب لتطرح أسئلة وجودية لا يمكن تجاهلها. فمع استمرار التوغل والاعتداءات من قبل إلكيان الصهيوني، وفي ظل اختلال واضح في ميزان القوة، يصبح السؤال أكثر من مشروع، هل يمكن للبنان أن يحافظ على ما تبقى من سيادته إذا استمرت الضغوط الميدانية والسياسية في اتجاه إعادة رسم الوقائع على الأرض؟

إن القلق لا يتعلق فقط بالمواجهات العسكرية، بل بما هو أعمق: الخشية من تحول تدريجي في الجغرافيا، قد يصل إلى تهديد أجزاء حساسة من الأرض اللبنانية، في سياق يُخشى فيه أن تُفرض وقائع ميدانية قد تطال ما يقارب 10% من مساحة البلاد. وهنا لا يعود الحديث سياسيًا عابرًا، بل يصبح حديثًا عن حدود الدولة نفسها، وعن معنى السيادة في لحظة إقليمية شديدة السيولة.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز البعد الأخطر، الموارد الحيوية، وفي مقدمتها المياه. فلبنان، الغني بموارده الطبيعية، يواجه سؤالًا استراتيجيًا حساسًا حول مستقبل هذه الثروات في ظل صراع إقليمي مفتوح، حيث لا تبقى المياه مجرد عنصر طبيعي، بل تتحول إلى عنصر قوة ونفوذ. وهنا يُطرح تساؤل بالغ الدلالة: هل يمكن أن يتحول نهر الليطاني، شريان الحياة اللبناني، إلى ساحة صراع شبيهة بما شهده نهر الأردن، حيث تختلط السياسة بالماء والجغرافيا بالأمن؟

هذه الأسئلة لا تنفصل عن الإطار الأوسع للنظام الدولي، حيث يبدو القانون الدولي، رغم ما يحمله من مبادئ، أقل قدرة على فرض نفسه في مواجهة منطق القوة. فقرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 242 وقرار مجلس الأمن 338، بقيت مرجعيات نظرية أكثر منها أدوات تنفيذية فعالة. وكذلك الحال مع اتفاقية أوسلو، التي تحولت مع الوقت من مسار يفترض أنه يقود إلى تسوية نهائية، إلى إطار إداري لصراع لم يُحسم جذريًا.

في هذا السياق، يتراجع القانون أمام الواقع، وتعلو لغة القوة على لغة النصوص، ليبقى التنفيذ رهينًا بتوازنات لا تعترف دائمًا بالعدالة، بل بالقدرة على فرضها.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الدولي والإقليمي المتشابك، حيث تبقى الولايات المتحدة الأمريكية لاعبًا أساسيًا في إدارة التوازنات ومسارات التفاوض، إلى جانب قوى إقليمية أخرى، من بينها إيران، ما يجعل المنطقة بأكملها عالقة في معادلة دقيقة، لا حرب شاملة، لكن أيضًا لا سلام نهائي، بل توازن هشّ يُدار أكثر مما يُحل.

في قلب هذه المعادلة، يقف لبنان أمام امتحان بالغ الحساسية، كيف يحافظ على وحدته الجغرافية والسياسية في ظل ضغوط متراكمة؟ وكيف يمنع أن تتحول الجغرافيا إلى ورقة تفاوض، أو أن تتحول السيادة إلى مفهوم قابل للتجزئة؟

إن جوهر المسألة ليس في رفض التفاوض، بل في شروطه. فالتاريخ يعلّم أن الدخول إلى أي مسار تفاوضي من موقع ضعف ميداني أو اختلال سيادي قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس الحقوق بقدر ما تعكس موازين القوة القائمة. ولذلك، فإن الأولوية اللبنانية يجب أن تبقى واضحة، حماية وحدة الأرض أولًا، وتعزيز القدرة على الردع، ومنع أي انزلاق تدريجي نحو فقدان أجزاء من السيادة تحت أي عنوان كان.

وفي النهاية، يبقى لبنان، بكل ما يمثله من تنوع وحرية وفكر، أمام لحظة وعي تاريخية. فإما أن يُصان كيانًا موحدًا، أرضًا وشعبًا، وإما أن يُترك عرضة لتراكمات قد تعيد تشكيله خارج إرادته. وبين هذين الخيارين، لا مجال للغموض، الوحدة ليست شعارًا، بل شرط بقاء، والسيادة ليست تفصيلًا، بل جوهر الدولة.
وفي زمن تتقدم فيه القوة على القانون، يبقى التحدي الحقيقي هو أن لا يُسمح للواقع أن يكتب مستقبل لبنان خارج إرادته، وألا تتحول أي وعود أو تسويات إلى مسار يؤدي، بشكل مباشر أو تدريجي، إلى خسارة أي جزء من أرضه الطاهرة.

هذا المحتوى لبنان بين قدسية التنوع وامتحان الجغرافيا ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤