لبنان بين النار والطاولة: استنزاف الدولة بين الداخل والخارج
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
لم يعد ما يجري في لبنان مجرد امتداد لحرب على جبهة حدودية، بل بات يعكس تحولاً في طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية، من استهداف عسكري مباشر إلى محاولة إعادة هندسة المجتمع نفسه، فالمشهد الحالي، بما يحمله من قصف واسع، وتهجير جماعي، وضغوط سياسية موازية، يكشف عن تبنٍّ واضح لسياسة "العقاب الجماعي"، تلك التي طُبّقت سابقاً في قطاع غزة، وها هي تُستنسخ اليوم في الساحة اللبنانية، مع فارق السياق وتركيبة المجتمع.تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لم تكن مجرد تهديد عابر، بل تعبير صريح عن عقلية ترى في تدمير البيئة الحاضنة للمقاومة مدخلاً لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية معاً، حين يُلوّح بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى نسخة من خان يونس، فإن الرسالة لا تُوجّه فقط إلى حزب الله، بل إلى مجتمع بأكمله، يُراد إخضاعه عبر الألم والدمار وفقدان الأمان.هذا التحول في الاستهداف يتجلى ميدانياً في حجم الدمار والخسائر البشرية، أكثر من 2400 شهيد، وما يزيد عن مليون نازح، أرقام تعكس اتساع دائرة الضربات لتشمل المدنيين والبنية الاجتماعية، لا المواقع العسكرية فقط، أما الغارة التي استهدفت بيروت في الثامن من نيسان، وأسفرت عن استشهاد 350 شخصاً خلال دقائق، فتُجسد بوضوح طبيعة هذه الحرب التي لا تعترف بخطوط فاصلة بين جبهة ومدينة، ولا بين مقاتل ومدني، حتى في ظل الحديث عن تفاهمات دولية لوقف التصعيد.لكن الأخطر من القصف ذاته، هو ما يجري بالتوازي معه على المستوى السياسي والاجتماعي، إذ تشير المعطيات إلى ضغوط تُمارس، علناً وسراً، على مكونات لبنانية مختلفة، خصوصاً في البيئتين الدرزية والمسيحية، بهدف دفعها إلى رفض استقبال النازحين الشيعة أو الضغط لإخراجهم، هذه السياسة لا تهدف فقط إلى خلق أزمة إنسانية، بل تسعى إلى تفجير التناقضات الداخلية، وتحويل التعددية اللبنانية إلى عبء أمني، بدل أن تبقى ركيزة استقرار.بهذا المعنى، لا تستهدف إسرائيل حزب الله كقوة عسكرية فحسب، بل تضرب في عمق النموذج اللبناني القائم على التوازنات الدقيقة والتعايش بين الطوائف، فإضعاف هذا النموذج، أو تفكيكه، يفتح الباب أمام واقع جديد يسهل التحكم به، حيث تتحول الانقسامات إلى أدوات ضغط دائمة، ويُعاد رسم المشهد السياسي بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.وليس هذا التوجه جديداً في جوهره، فالأطماع الإسرائيلية في لبنان تعود إلى عقود، منذ طرح ديفيد بن غوريو...




