إن المكسب الرئيس الذي كان يسعى إليه "حزب الله" من وراء هذه الجولة من القتال بينه وبين إسرائيل أو من وراء مشاركته في أوسع حرب إقليمية على الإطلاق، إنما كان وقف حرية الحركية الإسرائيلية ضده، لكن وبحسب مذكرة التفاهم التي تطغى السردية الإسرائيلية في كل بنودها تقريبا فإن "حزب الله" لم يتمكن من فرض هذا الشرط؛ والأهم أن إيران التي أعلن "حزب الله" أنه تبلغ بالتهدئة من خلال سفيرها في بيروت، لم تستطع فرض هذا الشرط في اتفاق وقف إطلاق النار، والذي حصل أصلا بعد مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية في العاصمة الأميركية واشنطن. وما يجب التوقف عنده هنا أن كل الحملات السياسية والإعلامية، من جانب "الحزب" وجمهوره ضد هذه المفاوضات المباشرة، أغفلت أنها حصلت بالتزامن مع انتقال المفاوضات الإيرانية-الأميركية من المستوى غير المباشر، الذي كانت تتمسك به طهران زمن "المرشد" خامنئي إلى المستوى المباشر في إسلام آباد. ولذلك لم يصدر أي موقف إيراني مندد بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل جرى ترحيب إيراني بوقف إطلاق النار الذي جاء إثر هذه المفاوضات. وكان لافتا في هذا السياق شكر رئيس الوزراء الباكستاني للرئيس ترمب للتوصل إلى هذا الاتفاق، ترمب الذي اعتبر هذا الاتفاق بمثابة إنجاز شخصي يضاف إلى إيقافه سلسلة من الحروب حول العالم!

بالتالي فإن باكستان نفسها التي تقوم بدور الوساطة الرئيس بين الولايات المتحدة وإيران، لم تأت على ذكر أي دور إيراني فيما يخص وقف إطلاق النار في لبنان، وهذا ليس موقفا باكستانيا ضد إيران بطبيعة الحال، لكنه يعكس ربما واقع أن الدور الأهم في هذا الاتفاق هو لواشنطن. وبالعودة قليلا إلى الوراء فإن الحديث الإيراني والباكستاني عن شمول التهدئة بين واشنطن وطهران ولبنان، لم يدخل حيز التنفيذ، ولم يترجم على أرض الواقع، ما خلا تحييد إسرائيل للعاصمة اللبنانية بيروت من عملياتها العسكرية، وهذا أيضا قيل إنه جهد الرئيس ترمب كخطوة لتشجيع لبنان على التفاوض المباشر مع إسرائيل، أو لوضع الحكومة اللبنانية أمام أمر واقع لا مفر منه، فإما التفاوض المباشر، وإما استمرار الهجمات الإسرائيلية في بيروت، والتي لم يكن في إمكان "حزب الله" ردعها بأدواته العسكرية، والتي ظهر أن إيران لم تكن مستعدة لتبديد الهدنة مع واشنطن اعتراضا على عدم شمول لبنان بها.
لكن حتى لو مورست ضغوط إيرانية من نوع ما على واشنطن لحث إسرائيل على التهدئة في لبنان، فإنّ وتيرة هذه الضغوط إذ استغرقت زهاء عشرة أيام لتصل إلى وقف لإطلاق النار بين "الحزب" وإسرائيل، تؤشر إلى مقدار القدرة الإيرانية على فرض شروطها على واشنطن، ليس في لبنان وحسب بل في طهران أيضا. هذا ناهيك بأن بقاء حرية الحركة لإسرائيل في مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين لبنان، دليل آخر على أن القدرة الإيرانية على فرض الشروط على واشنطن ليست كبيرة.












