لا تغريكم غزارة الأمطار.. صيف ساخن على المحك والعراق في قلب عواصف التغير المناخي
المدى/ خاص
يشهد العراق امتداداً غير معتاد للأجواء الشتوية والأمطار الغزيرة حتى مطلع الشهر الرابع من العام الحالي، في وقت تشير فيه التوقعات إلى أن الصيف المقبل قد يكون من بين الأشد حرارة خلال السنوات الأخيرة، ما يضع البلاد أمام مفارقة مناخية بين اعتدال الربيع وقسوة الصيف المرتقب.
وتعيد هذه التحولات فتح النقاش حول ما إذا كانت تندرج ضمن مظاهر التطرف المناخي، أم أنها تباين موسمي طبيعي، في ظل تصاعد المخاوف من ارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم الإجهاد المائي، وارتفاع مستويات التلوث.
وأوضح عضو مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف أن استمرار الأجواء المعتدلة حتى الشهر الرابع يعود إلى تعاقب المنخفضات الجوية التي أثّرت على العراق خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن ذلك لا يُعدّ مؤشراً مباشراً على ما يُعرف بـ"التطرف المناخي".
وقال عبد اللطيف لـ"المدى" إن التغيرات الحالية في درجات الحرارة طبيعية نسبياً وتختلف من عام إلى آخر، مشيراً إلى أن التطرف المناخي يرتبط بعوامل أكثر حدة كالتصحر والجفاف وقلة الأمطار والتلوث، لا بمجرد اعتدال الأجواء أو امتداد فترة البرودة.
وأضاف أن العراق سيشهد ارتفاعاً تدريجياً في درجات الحرارة خلال الأشهر المقبلة، على أن تبدأ الموجات الشديدة بعد الشهر السادس، إذ قد تتجاوز الحرارة حاجز الخمسين مئوية في تموز وآب، مع احتمال استمرارها حتى أيلول.
ويُعدّ العراق من أكثر دول العالم تأثراً بالتغير المناخي، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية وانحسار المساحات الخضراء، إضافة إلى الملوثات البيئية. ورغم حضور ملف المناخ في خطابات المسؤولين، فإن التحرك التنفيذي لمعالجته لا يزال محدوداً، خاصة في ما يتعلق بخفض الانبعاثات داخل المدن الكبرى.
وحذّر مرصد العراق الأخضر من أن صيف 2026 قد يكون من أخطر المواسم بيئياً على البلاد، نتيجة الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، وما يرافقه من زيادة في مستويات التلوث، خاصة مع الاعتماد المتنامي على المولدات والسيارات، في ظل توقعات بنقص إمدادات الطاقة الكهربائية بسبب تراجع الغاز المستورد.
وأشار عبد اللطيف إلى أن ارتفاع الحرارة سيؤدي إلى زيادة معدلات التبخر، ما يعمّق أزمة الإجهاد المائي، داعياً الجهات المعنية إلى استثمار كميات الأمطار الأخيرة وإدارتها بفاعلية، بما يضمن تأمين احتياجات البلاد المائية لعدة سنوات ويقلّل الاعتماد على دول الجوار في إطلاق الحصص المائية.
من جهته، قال الأكاديمي حسنين موسى حسن إن التطرف المناخي من أبرز التحديات البيئية التي يواجهها العالم اليوم، مشيراً إلى أن العراق من أكثر الدول تأثراً بهذه الظاهرة، نظراً لموقعه الجغرافي ومناخه شبه الجاف.
وأوضح حسن أن البلاد شهدت في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الظواهر المناخية المتطرفة، تمثّل بموجات حر شديدة، وعواصف ترابية، وفترات جفاف طويلة، إلى جانب انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات، لافتاً إلى أن هذه التغيرات ترتبط مباشرة بـ"التغير المناخي" العالمي والنشاط البشري.
وبيّن أن مفهوم التطرف المناخي يشير إلى التغيرات الحادة وغير المعتادة في عناصر المناخ، كدرجات الحرارة وكميات الأمطار، مقارنة بالمعدلات الطبيعية، وأن من أبرز مظاهره موجات الحر، والجفاف طويل الأمد، والفيضانات المفاجئة، والعواصف الغبارية، وهي ظواهر تنعكس مباشرة على البيئة والاقتصاد والصحة العامة، فضلاً عن تأثيرها في الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات.
وأشار حسن إلى أن العراق شهد خلال العقود الماضية توسعاً عمرانياً ونمواً سكانياً متسارعاً، زاد من الضغط على الموارد الطبيعية، مبيّناً أن من أبرز أسباب تفاقم الظاهرة الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، والتوسع العمراني، وتدهور الأراضي الزراعية، والاستخدام المفرط للموارد المائية، ما أدى إلى زيادة انبعاث الغازات الدفيئة وارتفاع درجات الحرارة.
وأضاف أن للتطرف المناخي انعكاسات خطيرة على الواقع العراقي، من بينها تراجع الإنتاج الزراعي، وزيادة العواصف الترابية وتأثيرها في صحة الإنسان، فضلاً عن انخفاض الموارد المائية وهجرة السكان من المناطق الريفية بفعل تدهور الأراضي.
ودعا حسن إلى تبني حزمة من الحلول للتخفيف من هذه التأثيرات، تشمل التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة المساحات الخضراء، ودعم البحوث العلمية، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر للكوارث المناخية.
The post لا تغريكم غزارة الأمطار.. صيف ساخن على المحك والعراق في قلب عواصف التغير المناخي appeared first on جريدة المدى.





