لا نَغْمِط هذا الحقَّ وطنَه
الصحوة – ظافر بن عبدالله الحارثي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بمواردها الطبيعية أو موقعها الجغرافي، بل باتت تقاس — على نحوٍ أكثر دقة — بقدرتها على بناء الإنسان وتمكينه، باعتباره الركيزة الأولى لأي نهضة مستدامة. وفي هذا السياق، يبرز النموذج العُماني كحالة متزنة تجمع بين عمق التاريخ وحكمة الحاضر واستشراف المستقبل.
لقد رسّخت التجربة العُمانية، منذ فجر نهضتها الحديثة ثم امتدادها في العهد الحالي مبدأ بناء الإنسان قبل كل شيء؛ وهو مبدأ لم يكن شعارًا نظريًا، بل تجسد في السياسات التعليمية، والتشريعات القانونية، وبرامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي، التي هدفت جميعها إلى إعداد المواطن العُماني ليكون فاعلًا ومشاركًا في صناعة القرار.
غير أن المرحلة الراهنة تفرض استحقاقًا جديدًا، يتمثل في تعزيز الثقة بالشباب العُماني، ومنحه المساحة الكافية للإبداع والمبادرة، في إطار من المسؤولية والالتزام بالقانون؛ فالشباب اليوم لا يفتقر إلى الطموح أو الكفاءة، بل يحتاج إلى بيئة قانونية وإدارية مرنة تُحفّز الابتكار، وتقلل من التعقيدات، وتفتح المجال أمام المبادرات الفردية والمؤسسية.
إن التركيز على البناء الداخلي، اقتصاديًا واجتماعيًا، لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها التحديات الإقليمية والدولية. فالانشغال بما يفيد الداخل — من تطوير التعليم، وتعزيز الإنتاجية، وتنمية المهارات — يُعد استثمارًا طويل الأمد ينعكس على استقرار الدولة وأمنها الوطني.
ومن هنا، فإن العبارة “لا نَغْمِط هذا الحقَّ وطنَه” تحمل دلالة قانونية وأخلاقية عميقة؛ فهي دعوة إلى عدم الانتقاص من حق الوطن في الاستفادة من طاقات أبنائه، وعدم حرمان الشباب من فرصهم المشروعة في الإسهام والبناء، كما تشير ضمنًا إلى مسؤولية مشتركة: مسؤولية الدولة في التمكين، ومسؤولية المواطن في العطاء؛ إن الرهان الحقيقي ليس على الإمكانات بقدر ما هو على الإنسان، وإذا ما أُحسن استثمار هذا الرهان، فإن عُمان — بتاريخها العريق وموقعها الحضاري — قادرة على أن تواصل مسيرتها بثبات، مستندة إلى جيل واعٍ، مؤهل، ومؤمن بدوره في صناعة المستقبل.




