كيف يواجه ميناء سعودي ضغوط تحول شحنات النفط نحو البحر الأحمر؟
يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ (New Arab)
رفعت المملكة العربية السعودية شحنات النفط الخام عبر بنيتها التحتية في البحر الأحمر بشكل حاد، في وقت يفرض فيه الحصار الإيراني على مضيق هرمز على كبار المنتجين إعادة توجيه صادراتهم؛ مما كشف عن اختناقات ومخاطر جديدة في أسواق الطاقة العالمية.
وسارعت المملكة، أكبر مصدر للنفط في العالم، إلى تفعيل نظام خطوط الأنابيب (شرق-غرب)، مما يسمح بنقل الخام من الحقول الواقعة في الخليج عبر البلاد وصولاً إلى ساحل البحر الأحمر. وقد وضع هذا التحول ميناء ينبع في قلب الجهود الرامية لتجاوز ما بات يُعرف بالحصار شبه الكامل لمضيق هرمز.
وكثفت شركة “أرامكو السعودية” الحكومية صادراتها من ينبع في محاولة لتعويض خسارة مسارها الرئيسي في الخليج، وذلك في أعقاب التهديدات الإيرانية باستهداف السفن بعد وقت قصير من الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير.
وتشير بيانات الشحن مفتوحة المصدر إلى أن عمليات شحن النفط اليومية في الميناء قد تضاعفت هذا الشهر مقارنة بمتوسط العام الماضي، وفقاً لشركة “كبلر” (Kpler) لتحليلات التجارة. كما يظهر هذا الزخم بوضوح في عرض البحر؛ حيث أفادت وكالة “بلومبرغ” أن ما لا يقل عن 27 ناقلة خام كانت راسية بالقرب من ينبع يوم الاثنين الماضي، ارتفاعاً من 11 ناقلة فقط يوم الجمعة الذي سبقه، بانتظار تحميل حمولاتها. وهو ما يعادل سفينتين يومياً تقريباً الأسبوع الماضي، أي ضعف الوتيرة المسجلة في الأسبوع الذي سبقه.
ومع ذلك، كشف التوسع السريع عن قصور حرج في القدرة التصديرية لميناء ينبع، والتي تُعد أقل بكثير من قدرة مضيق هرمز.
ورغم الجهود الطويلة التي بذلتها الرياض لتوسيع الميناء منذ بنائه في الثمانينيات، تُقدر القدرة التشغيلية لخط الأنابيب السعودي (بترولاين) بنحو 4.5 إلى 5 ملايين برميل يومياً. وهذا الرقم يقل كثيراً عن الأحجام التي تمر عادة عبر مضيق هرمز، والتي تتراوح بين 20 و21 مليون برميل نفط يومياً، إلى جانب ما يقرب من خمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وقد أدت خسارة هذا الممر إلى رفع أسعار خام برنت القياسي فوق 110 دولارات للبرميل، رغم أن الأسعار تراجعت لاحقاً إلى ما دون 100 دولار بعد أن أعلن دونالد ترامب يوم الاثنين عن تأجيل الهجمات المحتملة على البنية التحتية للطاقة في إيران لمدة خمسة أيام.
من جانبها، وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع الحالي بأنه “أشد اضطراب تشهده أسواق النفط في التاريخ”. وأفادت تقارير أن السعودية أبلغت عملاءها للمدى الطويل بخفض مخصصات شهر أبريل، مما يضع المشترين أمام خيارين: إما قبول كميات أقل، أو الاستمرار في الاعتماد على الشحنات عبر الخليج مع المخاطرة بعدم استلام أي نفط إذا ظل المسار مغلقاً.
وهناك عائق بنيوي آخر يتمثل في أن ميناء ينبع غير مجهز للتعامل مع صادرات الغاز الطبيعي المسال على نطاق واسع؛ فخلافاً للنفط الخام، لا يمكن إعادة توجيه الغاز الطبيعي المسال بسهولة عبر خطوط الأنابيب البرية، مما يترك أسواق الغاز معرضة للخطر بشكل خاص.
انتقال المخاطر إلى البحر الأحمر
ومع تحول التدفقات غرباً، تتحول نقاط الضعف أيضاً، حيث يبرز مضيق باب المندب -الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن- مجدداً كبؤرة توتر محتملة. ورغم أن الحوثيين في اليمن لم يبدوا نيتهم دخول الصراع الحالي دعماً لإيران، إلا أن الجماعة كانت قد استهدفت سابقاً الشحن التجاري في البحر الأحمر بدءاً من عام 2023، وهو تصعيد أدى حينها إلى خفض تدفقات النفط عبر الممر إلى النصف وقلص حركة المرور عبر قناة السويس بشكل حاد.
وتأكدت هشاشة النظام المُعاد توجيهه الأسبوع الماضي عندما توقفت عمليات التحميل في ينبع لفترة وجيزة بعد سقوط طائرة مسيرة في مصفاة “سامرف” التابعة لأرامكو السعودية والواقعة داخل الميناء. ووصف لوكا نيفولا، كبير المحللين لشؤون اليمن والخليج في مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED)، الهجوم الذي تسبب في أضرار طفيفة للمنشأة بأنه “رمزي إلى حد كبير”.
وقال نيفولا لـ “ذا نيو آراب” إن الحوثيين استهدفوا ينبع في خمس مناسبات سابقة منذ عام 2017، وكانت جميعها تحمل “قيمة رمزية كبيرة”. وبناءً على ذلك، أدت هذه المخاطر إلى كبح حركة المرور عبر البحر الأحمر، حيث لا تزال الشركات وشركات التأمين تنظر إلى العبور عبر باب المندب بوصفه “عالي المخاطر”.
وتختار العديد من السفن بدلاً من ذلك الرحلة الطويلة حول أفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح؛ حيث قامت شركات شحن كبرى، بما في ذلك “ميرسك” (Maersk) و”هاباج لويد” (Hapag-Lloyd)، بتغيير مسار حركة مرورها، مفضلةً السلامة على الكفاءة رغم التكاليف المرتفعة والتأخيرات الكبيرة.
ومع ذلك، يرى نيفولا أن قرار السعودية تحويل صادرات النفط إلى ينبع “يوحي بدرجة من الثقة بأن الحوثيين لن يدخلوا الصراع”. ويوضح أنه على الرغم من إبداء القيادة الحوثية تضامناً لفظياً مع إيران، إلا أنها لم تقدم أي التزام عسكري عملي. وبدلاً من ذلك، انخرط الحوثيون في محادثات عبر قنوات خلفية مع الرياض، حيث يمثل احتمال الحصول على دعم مالي سعودي “شريان حياة حيوياً للنظام الحوثي الذي يعاني من ضغوط اقتصادية متزايدة”.
ويضيف نيفولا: “بمقارنة ذلك، فإن تكاليف دخول الحرب تفوق بوضوح أي فوائد محتملة”. ومع ذلك، تصاعدت التوترات في البحر الأحمر بسبب وجود حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد فورد”.
وكانت إيران قد وصفت هذا الانتشار في وقت سابق بأنه تهديد، محذرة من أن المراكز اللوجستية التي تدعم مجموعة حاملة الطائرات قد تصبح أهدافاً، مما يثير المخاوف بشأن أمن المنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة.
المسارات البديلة لا تفي بالغرض
ويحاول منتجون إقليميون آخرون أيضاً تجاوز مضيق هرمز، لكن جهودهم المشتركة تظل غير كافية لتعويض التعطيل. فقد استخدمت الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب “حبشان-الفجيرة”، مما يتيح نقل الخام مباشرة إلى خليج عمان دون المرور عبر هرمز. وفي الوقت نفسه، تحرك العراق لإحياء الصادرات عبر تركيا بعد أن اتفقت بغداد وأربيل على استئناف تشغيل خط أنابيب “كركوك-جيهان”.
وتمثل هذه المسارات البديلة التي تستخدمها السعودية والإمارات والعراق مجتمعة نحو 7.1 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل ثلث الحجم المعتاد الذي يتدفق عبر مضيق هرمز فقط.
وحتى مع الاستغلال الأقصى للبنية التحتية الحالية للالتفاف على المضيق، فإن هذا العجز يعني أن الأسواق العالمية ستظل مقيدة بشدة، خاصة في ظل استمرار فقدان أحجام صادرات كبيرة من موانئ جنوب الخليج. ونتيجة لذلك، فإنه في حين وفر تحول السعودية نحو ينبع حلاً جزئياً، يرى المحللون أن هذا التحول كشف أيضاً عن الحدود الهيكلية للخدمات اللوجستية العالمية للطاقة في مواجهة حصار طويل الأمد.
The post كيف يواجه ميناء سعودي ضغوط تحول شحنات النفط نحو البحر الأحمر؟ appeared first on يمن مونيتور.





