كيف يمكن للحرب على إيران أن تعرقل طفرة الذكاء الاصطناعي؟
تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في ظاهرها أزمةً تخص النفط والغاز والملاحة الإقليمية. لكن تحت هذا السطح، تتشكل أزمة أخرى أقل ظهوراً وأكثر اتساعاً: أزمة قد تصيب قلب طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية.
فهذه الطفرة التي بدت خلال الأعوام الأخيرة وكأنها قصة برمجيات وخوارزميات واستثمارات قياسية، تقوم في الحقيقة على بنية مادية شديدة الهشاشة تتمثل في كهرباء وفيرة، غاز مستقر، سلاسل توريد دقيقة، ومواد صناعية نادرة لا تعمل مراكز البيانات ولا مصانع الرقائق من دونها.
ومع اتساع رقعة ووتيرة الحرب، لم يعد السؤال محصوراً في أثرها على أسواق الطاقة التقليدية، بل امتد إلى ما إذا كانت ستبطئ أيضاً السباق العالمي لبناء البنية التحتية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي كي يستمر في النمو.
— عربي بوست (@arabic_post) March 24, 2026
أعلنت شركة #أمازون، أمس الاثنين، أن منطقة خدماتها السحابية (أمازون ويب سيرفيسز) في #البحرين تشهد "اضطراباً" في ظل الصراع الدائر حالياً في الشرق الأوسط.
وأوضح متحدث باسم الشركة، رداً على استفسار لرويترز، أن هذا الاضطراب ناتج عن نشاط المسيرات في المنطقة، مشيراً إلى أن أمازون… pic.twitter.com/uC7qwU5uuo
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيقات ذكية على الشاشات، بل صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى حد غير مسبوق.
وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب هشاشة سلاسل التوريد التي تعتمد عليها صناعة الرقائق، من الغاز الطبيعي إلى الهيليوم المستخدم في تصنيع أشباه الموصلات، بعدما أدى تعطل منشآت الغاز في قطر إلى قفزات في أسعار الهيليوم وإلى تحذيرات من اضطرابات أوسع في الإمدادات.
لماذا يُعدّ الذكاء الاصطناعي حساساً جداً لحروب الطاقة؟
تستهلك طفرة الذكاء الاصطناعي كهرباء هائلة ومتزايدة بسرعة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالمياً تقريباً إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، وأن يكون الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأهم لهذا النمو.
كما تتوقع أن تستحوذ مراكز البيانات على ما يقارب نصف نمو استهلاك الكهرباء النهائي في الولايات المتحدة بين عامي 2025 و2030. وكان من المفترض أن يدعم هذا النمو تسارع في توليد الطاقة بالغاز.
وهذا يعني أن أي صدمة طاقة تصيب الحربُ بها أسواق النفط أو الغاز ستنعكس مباشرة على تكلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي.
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الغاز الطبيعي والفحم سيلبيان أكثر من 40% من الزيادة في الطلب الكهربائي لمراكز البيانات حتى 2030، ما يجعل قطاع الذكاء الاصطناعي شديد الحساسية لاضطراب الوقود.

كيف يمكن للحرب على إيران أن تعرقل طفرة الذكاء الاصطناعي؟
تهدد الحرب على إيران طفرة الذكاء الاصطناعي عبر ثلاث قنوات رئيسية مترابطة، وهي الطاقة التي تحتاجها مراكز البيانات، والمواد الصناعية اللازمة لصناعة الرقائق، والبنية التحتية اللوجستية والاستثمارية التي تقوم عليها توسعات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
أولاً: مراكز البيانات
للمرة الأولى في تاريخ الصراعات، تتحول مراكز البيانات التجارية إلى أهداف عسكرية مشروعة في نظر الأطراف المتحاربة.
وقال وسطاء في شركة مارش ريسك لخدمة “ذي إنشورار”، إن ظهور الذكاء الاصطناعي باعتباره “منفعة عامة أساسية” سيجعله عرضة للاستهداف بنفس الطريقة التي تستهدف بها البنى التحتية الحيوية الأخرى في الشرق الأوسط.
وأضافوا أن هذا يعني أن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمراكز البيانات في الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط على النطاق الأوسع أصبحت مصدر قلق متزايد لمطوري مشروعات البنية التحتية هذه منذ تصاعد الصراع في المنطقة في 28 فبراير/ شباط.
وقال سام تيلتمان، رئيس قطاع البنية التحتية الرقمية في شركة مارش ريسك البريطانية، لـ”ذي إنشورار” إن المخاطر الجيوسياسية لم تكن حتى ضمن قائمة المخاطر العشرة الأولى لمطوري مراكز البيانات العام الماضي، لكنها أصبحت الآن في صدارة الاهتمامات بعد اندلاع الحرب على إيران.
وتعرضت ثلاثة مواقع لأمازون في الإمارات والبحرين لأضرار في البنية التحتية وتعطل إمدادات الطاقة منذ بدء الحرب.

وقالت أمازون، الثلاثاء 24 مارس/آذار، إن منطقة خدماتها السحابية في البحرين تشهد “اضطراباً”. وأوضح متحدث باسم الشركة رداً على استفسار من رويترز أن هذا الاضطراب ناتج عن نشاط طائرات مسيرة في المنطقة.
وقال تيلتمان: “نظراً لأننا نرى أن الذكاء الاصطناعي أصبح منفعة أساسية، فإننا نتوقع أن يتم استهدافه مثل غيره من البنى التحتية الحيوية، مثل الطاقة والاتصالات”.
ثانياً: الطاقة
قالت كيت موير جونز، الرئيسة التنفيذية لقطاع التخصصات الائتمانية في المملكة المتحدة لدى شركة مارش ريسك، لرويترز إن ارتفاع أسعار النفط والهجمات على مصادر الطاقة في المنطقة زاد من مخاطر المشروعات الكبيرة للبينة التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تتطلب كميات هائلة من الطاقة.
وتواجه دول شرق آسيا التي تقع في قلب إنتاج أشباه الموصلات العالمي صدمات طاقة شديدة.
وتعتمد كل من كوريا الجنوبية وتايوان على الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة، والذي يأتي بالكامل تقريباً من الواردات، وخاصة عبر مضيق هرمز. وتعتمد تايوان على الشرق الأوسط لتلبية أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، وفق صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
وتهيمن شركتا سامسونج للإلكترونيات وإس كيه هاينكس الكوريتان الجنوبيتان على صناعة رقائق الذاكرة، حيث تستحوذان معًا على 80% من ذاكرة النطاق الترددي العالي ونحو 70% من ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية.
وتُشغّل هذه الرقائق أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز بيانات الحوسبة السحابية، بالإضافة إلى الهواتف الذكية والسيارات. أما شركة تي إس إم سي التايوانية، فتُصنّع 90% من أشباه الموصلات المتقدمة، وتُنتج جميع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة تقريباً التي تُصمّمها شركة إنفيديا، الشركة الأغلى قيمة في العالم.
وبالنسبة لمراكز البيانات على مستوى العالم، يمثل خطر الطاقة الشاغل الأول للمطورين، حيث يكلفهم الفشل في توفير الطاقة اللازمة للعمل في الوقت المحدد ما يصل إلى مليون إلى مليوني دولار في اليوم، بحسب وكالة رويترز.

ثالثاً: الرقائق وسلاسل الإمداد
تهدد الحرب على إيران إمدادات مواد رئيسية تدخل في تصنيع الرقائق. ويعتمد قطاع صناعة الرقائق الإلكترونية في آسيا على الشرق الأوسط في توفير المواد الكيميائية.
وحذر مسؤولون في كوريا الجنوبية من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد تعطل إمدادات المواد الأساسية لتصنيع أشباه الموصلات التي يتم توريدها من الشرق الأوسط، ومن بينها الهيليوم الذي يعد ضرورياً لإنتاج الرقائق.
ويأتي نحو ثلث الإمدادات العالمية من الهيليوم – وهو منتج ثانوي لمعالجة الغاز الطبيعي ويُستخدم لتبريد رقائق السيليكون – من قطر، وفق مجلة التايم الأمريكية. وتحصل كوريا الجنوبية وتايوان على معظم احتياجاتهما من الهيليوم من هذه الدولة الخليجية، التي تُعدّ مورداً رئيسياً لهذا النوع عالي النقاء الذي يصعب إيجاد بديل له.
ويمر عبر مضيق هرمز ما يقارب نصف كمية الكبريت المنقولة بحراً عالمياً، وهو عنصر يُستخدم في تنظيف الرقائق الإلكترونية وحفرها. وحتى قبل اندلاع الحرب، كان الكبريت يواجه نقصاً في الإمدادات، نظراً للطلب المتزايد عليه من قطاعي التكنولوجيا والسيارات الكهربائية.
How the Iran war could derail the AI boom https://t.co/cCGrga3EoC
— Financial Times (@FT) March 22, 2026
ويُعد البحر الميت أيضاً أكبر مصدر في العالم للبروم، وهي مادة كيميائية تُستخدم في رسم الأنماط على رقائق السيليكون. وتستورد كوريا الجنوبية معظم احتياجاتها من البروم من إسرائيل.
وتواجه عمليات تسليم الرقائق الإلكترونية تأخيرات بالفعل بسبب الاختناقات في النقل الجوي والبحري. فعلى سبيل المثال، يواجه قسم الشحن في شركة كاثاي باسيفيك للطيران، الذي يتولى نقل ما يقارب 30% من رقائق السيليكون عالمياً، صعوبة في الوصول إلى مركزه الإقليمي في دبي، بحسب صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
ما السيناريوهات الأكثر ترجيحاً لتأثير الحرب على طفرة الذكاء الاصطناعي؟
رجحت تقارير أنه كلما طال أمد إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، تفاقمت التداعيات التي ستصيب قطاع الذكاء الاصطناعي.
وإذا ما استمر النزاع، سترتفع أسعار الرقائق الإلكترونية بشكل حاد مع ترشيد المصنّعين للإمدادات وتنافسهم عليها. وفي نهاية المطاف، قد يتوقف الإنتاج تماماً، حسبما تقول فايننشال تايمز.
أما في الولايات المتحدة، فستجعل تكاليف الطاقة المرتفعة مراكز البيانات الحالية والمستقبلية أقل جدوى. وستشهد تقييمات شركات التكنولوجيا المتقدمة انخفاضاً، وستصبح الديون المقترضة بضمان أصول الذكاء الاصطناعي مُعرّضة للخطر.
لكن حتى لو انتهى النزاع غداً، فإن سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي ستستغرق وقتاً للتعافي. وقال مسؤولون قطريون إن هجمات الأسبوع الماضي تسببت في أضرار لمحطة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال، وهي الأكبر في العالم، والتي توقفت عن الإنتاج منذ 2 مارس/آذار بسبب غارات سابقة بطائرات مسيرة.
ومع ذلك، سيستغرق الأمر من أربعة إلى خمسة أسابيع حتى تستأنف قطر إنتاج الغاز والهيليوم من مصانعها، كما يقول فيل كورنبلث، مؤسس شركة كورنبلث هيليوم الاستشارية.
وأضاف: “سيستغرق الأمر شهرين إلى ثلاثة أشهر إضافية بعد ذلك لإعادة سلسلة إمداد الهيليوم إلى ما كانت عليه قبل الأزمة”.
وفي منطقة الخليج، ستؤدي الهجمات الإيرانية إلى تقليص جاذبية المنطقة كمركز لمراكز البيانات، بينما قد تعيد صناديق الثروة السيادية الوطنية توجيه استثماراتها المخطط لها في مجال الذكاء الاصطناعي نحو تلبية الاحتياجات الأمنية المحلية.
أعلنت شركة 




