كيف ترى واشنطن وتل أبيب فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد إضعاف إيران؟
واشنطن: تشير قراءة تحليلية نشرتها مجلة Foreign Affairs إلى أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة تحوّل استراتيجية قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط.
صعود إيراني انتهى بالانكشاف
بحسب التقرير، دخلت إيران عام 2024 وهي في ذروة قوتها الإقليمية، حيث كانت اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرًا في العراق ولبنان وسوريا واليمن، مع برنامج نووي يتقدم بثبات وقدرات صاروخية متنامية.
غير أن سلسلة من الضربات الإسرائيلية، ثم العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة، كشفت هشاشة هذا التفوق. فقد نجحت منظومات الدفاع المشتركة في اعتراض الهجمات الإيرانية، وتعرضت شبكة الدفاع الجوي الإيراني لضربات قاسية، فيما تم إضعاف حلفاء طهران، وعلى رأسهم حزب الله.
وتوّج هذا المسار بعمليات عسكرية واسعة في 2025 و2026 استهدفت البنية النووية والعسكرية الإيرانية، وأدت إلى تصفية شخصيات قيادية بارزة داخل النظام.
جدل أمريكي حول جدوى الحرب
رغم هذه النتائج، ينقل التقرير وجود انقسام داخل الولايات المتحدة، حيث يرى بعض المحللين أن الحرب استنزفت الموارد الأمريكية دون ضمان نجاح تغيير النظام الإيراني. كما يعتبر منتقدون أن واشنطن خاضت الصراع خدمةً لأجندة إسرائيلية.
لكن الكاتبين يرفضان هذه القراءة، معتبرين أن المواجهة مع إيران ليست خيارًا بل امتدادًا لصراع قائم منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وأن إضعاف النظام الإيراني يمثل مكسبًا استراتيجيًا يفتح المجال أمام قوى أكثر براغماتية داخل إيران ويعزز المعارضة الداخلية.
تشكّل محور إقليمي جديد
يرى التقرير أن أحد أبرز نتائج الحرب هو نشوء اصطفاف إقليمي غير مسبوق يضم الولايات المتحدة وإسرائيل وعددًا من الدول العربية، بينها السعودية والإمارات والبحرين والكويت، إضافة إلى شركاء أوروبيين.
هذا الاصطفاف، بحسب التحليل، يضع الأساس لشرق أوسط مختلف قائم على التعاون الأمني المشترك في مواجهة إيران، وقد يمهد لتوسيع مسار التطبيع العربي-الإسرائيلي.
شروط تثبيت الواقع الجديد
يشدد التقرير على أن تحقيق هذا التحول يتطلب استراتيجية مستدامة، تشمل:
• منع إعادة بناء القدرات الإيرانية عبر نظام رقابة وإنفاذ صارم على البرامج النووية والصاروخية.
• استمرار الضغط الاقتصادي من خلال العقوبات والحصار وربط رفعها بتغيير سلوك إيران.
• تعزيز الشراكات الإقليمية وتقديم دعم أمني واقتصادي للدول العربية.
• حماية الممرات الحيوية وضمان حرية الملاحة في المنطقة.
تفكيك شبكة الوكلاء
يعتبر التقرير أن تحييد وكلاء إيران يمثل أولوية مركزية. فبدلاً من القضاء الكامل عليهم، يدعو إلى إضعافهم وتفكيك قدراتهم بحيث يصبحون غير قادرين على تنفيذ عمليات خارج حدودهم.
كما يقترح العمل على فصل هذه الجماعات عن طهران، عبر إظهار عجز إيران عن حمايتهم في حال التصعيد.
تغيير النظام: هدف غير معلن بعد
يرى الكاتبان أن تغيير النظام الإيراني يجب أن يتحول إلى هدف سياسي واضح في مرحلة ما بعد الحرب، مع التأكيد أن التنفيذ النهائي يبقى مسؤولية الشعب الإيراني.
ويقترح التقرير استخدام أدوات متعددة لتحقيق ذلك، تشمل:
• العمليات السرية
• الضغط الاقتصادي
• الحرب الإعلامية والسياسية
بهدف تعميق الانقسامات داخل النظام وإضعاف تماسكه الداخلي.
يخلص التقرير إلى أن الحرب لم تُنهِ التهديد الإيراني بالكامل، لكنها غيّرت ميزان القوى في المنطقة بشكل جوهري.
وبحسب تحليل مجلة Foreign Affairs، فإن الفرصة متاحة الآن أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، لكن نجاح هذا المشروع سيعتمد على القدرة على إدارة ما بعد الحرب، ومنع إيران من استعادة قوتها، وبناء تحالفات إقليمية أكثر تماسكًا واستدامة.




