كيف تؤثر الصدمات المتكرّرة على المرونة النفسية لدى الأفراد؟
في السنوات الأخيرة، تتوالى الصدمات المتكررة تاركةً أثراً واضحاً على الأفراد في لبنان. وإن كان لكل صدمة أثر مباشر وواضح عليهم، يبدو لتكرارها أثر مختلفة لا بد من أخذه في الاعتبار. أما صفة الصلابة التي يتحلى بها المواطن اللبناني والتي يتغنى بها الكل، فيتساءل كثيرون هل ما زالت ميزة فعلية لديه بعد كل الصدمات التي يتلقاها الواحدة تلو الآخرى. هذا ما أوضحته الاختصاصية في المعالجة النفسية الدكتورة كارول سعادة مشيرةً إلى تأثير ما يحصل على الصحة النفسية.
كيف تؤثر الصدمات المتتالية على الصحة النفسية؟
منذ عام 2019 خاصة، يتعرّض الأفراد في لبنان للصدمات الواحدة تلو الأخرى دون توقف. وفي كل مرة بعد أن يعتاد المواطن على ما يتعرّض له، يبدو أن صلابته النفسية تساعده على النهوض وعلى العودة إلى الحياة الطبيعية بمزيد من العزم والاندفاع. وكأنه يرفض الهزيمة رغم أن كل صدمة تأتيه بشكل صفعة جديدة يتلقاها. حتى إن ثمة إجماعاً على أن كل تجربة قاسية جديدة يعيشها اللبنانيون هي غير مسبوقة ولا يمكن اختبار ما قد يكون أسوأ منها، وأنها آخر الامتحانات الصعبة، وإذا بالصدمة التي تلي لا تقل قسوة، لا بل قد تكون أكثر صعوبة. بحسب سعادة، إن تكرار الصدمات ليس عبارة عن مجرد أحداث في حياة الإنسان بل تؤثر على شخصيته وعلى تركيبة جهازه العصبي والنفسي مباشرة.
فبعد صدمة أو حرب من الممكن التعرّض لاضطراب ما بعد الصدمة، ومع تكرار الصدمات لفترة طويلة، يجري الحديث عن اضطراب ما بعد الصدمة المعقد الذي يؤدّي إلى ضعف في المرونة واليقظة الزائدة والصعوبة في ترميم الجهاز النفسي.
ما الأعراض التي يمكن أن يظهر من خلالها اضطراب ما بعد الصدمة المعقد؟
- التخدير العاطفي
- الهروب المستمر
- نكران الواقع
- حالات قلق مزمن
- اكتئاب
في مثل هذه الحالات، تسيطر اليقظة الدائمة مع شعور بوجود خطر مستمر وإن لم يكن ذلك صحيحاً. لذلك، توضح سعادة أن ذلك قد يؤثر على تركيبة الشخصية التي تميل إلى القلق المستمر، سواء كان التعرّض للصدمة مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال العدوى القلقية والقلق الجماعي في مجتمعات معينة.
هل الصدمات المتكررة تزيد الإنسان مرونة أم تجعله أكثر هشاشة من الناحية النفسية؟
مع تكرار الصدمات، يعيش الفرد الصدمات مرة جديدة في حياته وهي تتكدس من دون إيجاد حل لها. لذلك، تأتي الصدمة الجديدة لتزيد الوضع سوءاً وتعقيداً ما لم تكن هناك معالجة للصدمة السابقة. وهذا ما يفسّر الشعور بالخوف المستمر من أمور بسيطة لا تستدعي ذلك، كالأصوات مثلاً أو الكوابيس. وهذه الصدمات قد تنتقل من جيل إلى جيل فتكون متوارثة ولم يعشها الكل.
بحسب سعادة، نتيجة التوتر المزمن ترتفع معدلات هرمون التوتر أي الكورتيزول. لا يعود التوتر مؤقتاً عندها. وعندما يجري التعرّض لأيّ صدمة يحتاج الجهاز العصبي والنفسي إلى استراحة حتى يتمكن من ترميم نفسه وعيش حالة الحداد النفسي التي يمكن فيها تقبل خسارة جزء من الحياة. وهذا ما لا ينعم به المواطن اللبناني عموماً، للأسف، نتيجة الأزمات المتكررة والتجارب العديدة التي تعرّض فيها لصدمات من الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت وتفجيرات البيجر والحروب. فإن لم يتسنّ له الوقت الكافي ليرتاح الجهاز النفسي لديه والصحة النفسية، فمن الطبيعي أن تضعف المرونة تدريجاً ويمكن أن يظهر ذلك من خلال نتائج معيّنة منها ظهور سلوك إدماني مثل الشراهة في الأكل والإدمان على الكحول والمخدرات وكأنه تخدير للذات لعدم القدرة على تحمّل المزيد من الصدمات المتكررة.
أيّ نتيجة يمكن أن تظهر لتراجع المرونة النفسية؟
قد لا يكون من الممكن التعميم على الكل لأن الأمور قد تختلف بحسب الدعم الاجتماعي والعائلي والشخصية والظروف. لكن عموماً يمكن أن تظهر مشكلات على مستوى تنظيم المشاعر سواء مشاعر الغضب أو الخوف أو القلق. ورغم أن الدماغ يكون قادراً على الترميم التلقائي فإنه يحتاج إلى الوقت لتحقيق ذلك وإلا تحصل اضطرابات ومشكلات وتتراجع المرونة.



