ولعل أرباح روسيا من النفط والغاز كانت ستغدو أعلى لولا الضربات الأوكرانية التي استهدفت البنية التحتية الروسية في هذا القطاع، إذ أدت تلك الضربات إلى تراجع ملموس في القدرة التصديرية، وخلقت قيودا لوجستية خانقة. فعلى سبيل المثال، توقف ضخ النفط عبر خط أنابيب دروجبا في نهاية يناير/كانون الثاني، وهو ما أفضى إلى تعليق إمدادات النفط الروسي إلى كل من المجر وسلوفاكيا. وفي الوقت نفسه، بدأت دول أوروبية أعضاء في حلف شمال الأطلسي تشعر بالفعل بوطأة أزمة الطاقة، واضطرت إلى اعتماد سياسات لترشيد الاستهلاك. غير أن ارتفاع أسعار الطاقة يظل عاملا ظرفيا أكثر من كونه عاملا بنيويا، لذلك يصعب إدخاله في أي تخطيط طويل الأمد.
وينطبق الأمر ذاته على صادرات الغذاء والأسمدة. فبحسب بيانات الأمم المتحدة، يمر نحو ثلث شحنات الأسمدة في العالم، المقدرة بنحو 16 مليون طن سنويا، عبر مضيق هرمز. وفي ظل النزاع، يغدو تراجع المحاصيل أمرا لا مفر منه في البلدان التي لا تستطيع، في هذا الوقت من السنة، أي مع بداية موسم الزراعة، الوصول إلى إمدادات الأسمدة. وقد تتحول اضطرابات العبور إلى مسألة شديدة الخطورة بالنسبة إلى أفقر بلدان العالم، ولا سيما تلك الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن 90 في المئة من الأسمدة المستخدمة هناك مستوردة من الخارج.

وتشهد أسعار الغاز حاليا ارتفاعا حادا، الأمر الذي يدفع أسعار الأسمدة إلى الصعود، ويزيد تبعا لذلك كلفة إنتاج الحبوب. ونتيجة لذلك، ستتجه البلدان الأفريقية وغيرها من الدول إلى أسواق تتوافر فيها إمدادات مستقرة من الأسمدة. ومن بين هذه الدول، تؤدي روسيا دورا محوريا بلا ريب، إذ تستفيد من موجة الغلاء لاختراق جانب معتبر من الحواجز السياسية والعقابية المفروضة عليها. وإلى جانب ذلك، وبرغم احتدام المنافسة، تملك موسكو فرصة للتمدد في أسواق جديدة لصادرات الحبوب، إذ تنفتح تلك الأسواق أمامها بفعل الاختناقات اللوجستية.
غير أن لهذا المشهد وجها آخر. فقد ترتفع أسعار الوقود والأسمدة، بما يفضي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، في وقت ستجد فيه الحكومة نفسها مضطرة، على الأرجح، إلى التدخل لضبط أسعار المستهلك. وفوق ذلك، قد تفضي أزمتا الطاقة والغذاء، على المدى البعيد، إلى انكماش حاد في الإنتاج العالمي، وهو ما سيقود، ضمن جملة من النتائج، إلى تراجع الطلب على موارد الطاقة.
البعد العسكري
تتمثل أبرز المكاسب العسكرية المباشرة لروسيا في أن تحوّل أولويات واشنطن من المسرح الأوروبي إلى الشرق الأوسط يقلص الموارد المخصصة للدفاع الجوي الأوكراني. كذلك لا يقتصر أثر النقص في صواريخ منظومات باتريوت على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يمتد أيضا إلى دول الخليج التي استنزفت مئات الصواريخ الاعتراضية خلال الأيام الأولى من النزاع. وإلى جانب ذلك، ستجد الولايات المتحدة نفسها، في المدى القريب، مضطرة إلى تركيز اهتمامها، قبل كل شيء، على تعزيز جاهزيتها القتالية. فبحسب بعض التقديرات، استخدمت واشنطن خلال الأيام الستة عشر الأولى وحدها أكثر من ستة آلاف ذخيرة هجومية ودفاعية، من بينها ما يقارب 46 في المئة من صواريخ "ATACMS" الموجهة بدقة، ونحو 40 في المئة من صواريخ "THAAD" الاعتراضية. وإذا طال أمد التصعيد مع إيران، فقد يتباطأ إيقاع تحديث الجيش الأميركي، وقد تتعثر برامج تطوير الأسلحة المتقدمة، فيما ستضطر القيادة الأميركية إلى إعادة نشر قواتها، الأمر الذي قد يضعف مواقعها في أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن أي مواجهة عسكرية مع إيران تفرض عليها التزامات باهظة الكلفة، جغرافياً ولوجستياً، بما يحد من مرونتها ويقلص قدرتها العملياتية على نشر قواتها المسلحة على مستوى العالم.












