كيف نحصّن أنفسنا ضد الأزمات؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
عبدالعزيز الكندري في الوقت الذي تتصدّر فيه عناوين الحرب والاعتداء الإيراني الآثم على دولة الكويت والخليج الصُحفَ، واصلت إيران عدوانها على جارتها الكويت، واستهدفت منشآت البلاد الحيوية ومقدراتها الاقتصادية ومبانيَ مدنية ومواقع ومرافق تمس البنية التحتية والقطاعات الإستراتيجية والخدمات الأساسية، وهذا يعتبر اعتداء غادراً وتدخل في جرائم الحرب. وهذه الاعتداءات تحتم علينا الاستعداد لها في المقبل من الأيام ونحصّن أنفسنا ضد هذه الأزمات، وفي مختلف المجالات، لأننا نعيش بجغرافيا ومرحلة مليئة بالتغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية، ولم تعد الأزمات تقتصر على الحروب فقط، بل أصبحت تشمل الأمن الغذائي والطاقة والمياه والاقتصاد والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد كما هو حاصل اليوم. والكويت بحكم موقعها الجغرافي وطبيعة اقتصادها المنفتح تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وحالياً نجد حصافة كبيرة لدى الحكومة في توفير الاحتياجات الأساسية في الأسواق وعدم انقطاعها بالرغم من التحديات الكبيرة، وهذا يحسب لها . هذه الحرب بيّنت أن الأزمات العالمية والغذاء قد تتحوّل إلى سلاح ضغط سياسي واقتصادي، ولذلك فإن من أهم أولويات الكويت توسيع مخزونها الإستراتيجي من القمح والأرز والزيوت والأدوية والمواد الأساسية لفترات طويلة. كما ينبغي دعم الزراعة المحلية والتقنيات الحديثة، وتقليل الاعتماد الكامل على الاستيراد الخارجي. كذلك، الاعتماد الكبير على النفط يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات العالمية، لذلك تحتاج الكويت إلى تسريع مشاريع التنويع الاقتصادي عبر دعم الصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والسياحة الداخلية والاقتصاد المعرفي. فالدول القوية ليست فقط التي تمتلك الثروة، بل التي تمتلك تعدد مصادر الدخل والإنتاج. ومن أعظم حصانة للدول هي الإنسان الواعي المتعلم المنتج. ومن المهم تطوير التعليم ليكون قائماً على التفكير والمهارات والابتكار لا الحفظ فقط. كما أن تعزيز ثقافة العمل والإنتاج والمسؤولية الوطنية لدى الشباب يخلق مجتمعاً أكثر قدرة على مواجهة التحديات وأقل اعتماداً على الدولة في كل شيء. ومن التجارب التي تستحق أن نضع عليها المجاهر في التعليم هو التعليم الفنلندي الذي تربع على عرش العالم ليصبح في المركز الأول، وفنلندا دولة صغيرة وعدد سكانها 5.5 مليون نسمة، ولكن طلابها استطاعوا أن يبدعوا في الرياضيات والعلوم والقراءة ويتفوقوا على تلاميذ بقية دول العالم، والمنهج الدراسي مختصر جداً، لدرجة أن مادة الرياضيات من الصف الأول إلى الصف التاسع أكثر من 10 صفحات فقط، وتترك التفاصيل الدراسية وطرق تدريسه إلى المعلمين الذين يتمتعون باستقلالية داخل الفصول الدراسية ليقوموا بهذه المهمة، إيصال المحتوى المفيد للطلاب. والأزمات الكبرى لا تُواجه فقط بالقوة العسكرية أو المال، بل بتماسك المجتمع. وكلما كانت الجبهة الداخلية موحّدة ومتماسكة قلّت فرص الفوضى والاستغلال الخارجي. لذلك فإن ترسيخ العدالة وسيادة القانون وتعزيز روح المواطنة والحوار المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول للكويت. ووجود قطاع خاص قوي ومشروعات صغيرة ناجحة يمنح الاقتصاد مرونة وقت الأزمات. فالدولة التي يعتمد اقتصادها بالكامل على الإنفاق الحكومي تكون أكثر هشاشة أمام التراجع المالي. ولذلك فإن تسهيل الاستثمار ودعم رواد الأعمال وخلق بيئة اقتصادية جاذبة سيمنح الكويت قدرة أكبر على الصمود. والكويت جزء من منظومة خليجية وعربية، وأمنها مرتبط باستقرار محيطها. ومن المهم تعزيز التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات الدفاع المشترك والأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد والأمن المائي، لأن التحديات المقبلة أكبر من أن تواجهها دولة بمفردها. وتحصين الكويت لا يعني الخوف من المستقبل، بل الاستعداد له بحكمة ووعي. فالدول التي تبني الإنسان، وتنوّع اقتصادها، وتحافظ على وحدتها، وتستثمر في العلم والأمن والغذاء والطاقة، تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات مهما كانت شدتها. والكويت بتاريخها وتجربتها الطويلة أثبتت أنها قادرة على التكيف والصمود، ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل الدروس والتحديات إلى فرص لبناء مستقبل أكثر قوة واستقراراً للأجيال القادمة.





