كيف نأكل عرضًا سينمائيًا؟
لا يعتبر مشاهدة الفيلم فعلًا عابرًا، ولا استهلاكا بصريا سريعا يمر دون أثر، فهو تجربة مركبة، أقرب إلى طقس داخلي يتقاطع فيه الحسي بالذهني، والمرئي بالمتخيل، والذاتي بالجماعي. وحين ندخل قاعة السينما، أو نجلس أمام شاشة مضيئة في عزلة الليل، فإننا لا “نشاهد” فقط، ولكننا “نأكل” العرض السينمائي، نهضمه، نعيد تشكيله داخل وعينا، ونحوله إلى جزء من ذاكرتنا الحية. والسينما، كما قال الناقد الفرنسي André Bazin، ” ليست مجرد تصوير للواقع، بل كشف عنه”، ولا يكتمل هذا الكشف إلا بمشاهد قادر على التلقي العميق، وعلى الإنصات للصورة كما يُنصت للقصيدة.
ومن هنا، يصبح السؤال ليس كيف نشاهد الفيلم، وإنما كيف نعيشه، كيف نسمح له بأن يسكننا، بأن يغيرنا، بأن يفتح فينا جروحًا وأسئلة. وقد انشغل بهذا السؤال، الكثير من الباحثين في السينما وجمالياتها، حيث حاولوا جميعًا تفكيك تجربة التلقي السينمائي، وأن يحولوها من فعل استهلاك إلى فعل تأمل.
كيف نتذوق الصورة وننصت للصمت
يذهب المخرج الياباني الكبير، أكيرا كيرو ساوا إلى أن «السينما ليست ما نراه فقط، بل ما نشعر به بعد أن تختفي الصورة»، وهو قول يفتح الباب أمام فهم المشاهدة كامتداد داخلي، لا كفعل لحظي. ولا ينتهي الفيلم الحقيقي مع آخر لقطة، ولكنه يبدأ داخل المتفرج، في ذاكرته، في قلقه، وفي أسئلته المؤجلة.
وفي هذا السياق، يرى الناقد الفرنسي رولان بارت، أن الصورة السينمائية تحمل ما يسميه “اللسعة”، تلك اللحظة التي تخترق المتفرج دون سابق إنذار، وتترك فيه أثرًا لا يُمحى. ويقول بارت إن «بعض الصور تجرحنا، لا لأنها صادمة، بل لأنها صادقة إلى حد الألم»، وهو ما يجعل من المشاهدة تجربة حسية عميقة، تتجاوز الفهم إلى الإحساس.
وينظر المخرج الأمريكي مارتن سكوسيزي، لمسألة هذا التذوق بقوله إن «السينما بالنسبة لي، هي إحساس، هي طريقة لرؤية العالم، وليست مجرد قصة تُروى». ويجعل هذا التصور من المشاهدة فعل مشاركة، حيث لا يبقى المتفرج خارج الفيلم، بقدر ما يصبح جزءًا منه.
اما المخرج الاسباني بيدرو ألمودوفار، فيرى أن «الألوان في الفيلم ليست زينة، بل لغة»، وهو ما يعني أن التذوق السينمائي يبدأ من التفاصيل، من اللون، ومن الإضاءة، ومن الإيماءة الصغيرة التي قد تمر دون انتباه، لكنها تحمل دلالة عميقة.
وعلى اعتبار أن السينما تتداخل مع الواقع الاجتماعي، يرى بعض المخرجين والكتاب، أن المشاهدة هي فعل مقاومة، حيث يصبح الفيلم مرآة تعكس التفاوت والظلم، وتدعو المتفرج إلى التفكير، لا إلى الهروب. ويرى الكاتب خورخي لويس بورخيس رغم أنه لم يكن ناقدًا سينمائيًا بالمعنى التقليدي، عن علاقة خاصة بالصورة، حيث قال إن «كل عمل فني هو نوع من الحلم الموجه»، وهو ما يجعل من المشاهدة تجربة حلم، تتطلب انخراطًا وجدانيًا.
إن “أكل” العرض السينمائي بالمعنى الاستعاري، في هذا المستوى، هو تذوق، وهو إنصات، وهو استعداد داخلي للانفعال، حيث لا نكتفي بفهم ما يحدث، بقدر ما نسمح له بأن يحدث فينا.
السينما كقراءة نقدية: كيف نفكك الخطاب ونكشف المعنى
إذا كان التذوق هو المدخل الأول لفهم السينما، فإن القراءة النقدية هي المرحلة الثانية، حيث يتحول المتفرج إلى قارئ، يحلل، ويفكك، ويعيد تركيب ما يراه. وفي هذا السياق، يؤكد الناقد الأمريكي Roger Ebert أن «الفيلم الجيد لا يخبرك ماذا تفكر، بل يجعلك تفكر»، وهو قول يختزل جوهر المشاهدة النقدية. ويرى الناقد البريطاني Mark Kermode أن ” المشكلة ليست في أن نفهم الفيلم، بل في أن نسأل الأسئلة الصحيحة عنه “، وهو ما يعني أن المشاهدة النقدية تبدأ بالسؤال، لا بالإجابة.
ويذهب الناقد والمخرج الفرنسي جون لوك غودار، إلى أبعد من ذلك حين قال إن «الفيلم ليس ما يُعرض، بل ما يُفكر فيه بعد العرض»، وهو ما يجعل من المشاهدة فعلًا فكريًا مستمرًا.
وفي هذا الإطار، تصبح كل عناصر الفيلم قابلة للتحليل: السرد، الصورة، الصوت، المونتاج، الأداء التمثيلي. فالممثل، كما تقول ميريل ستريب، ” لا نقدم الشخصية، بل نعيشها “، وهو ما يدعو المتفرج إلى قراءة الأداء، وإلى البحث عما وراء الكلمات. ويربط الكثير من النقاد بين السينما والذاكرة، حيث يرون أن كل فيلم هو محاولة لإعادة كتابة الماضي، وهو ما يجعل من المشاهدة فعل استحضار، لا مجرد متابعة.
وتترك السينما الجيدة الكثير من الفراغات، وعلى المتفرج أن يملأها، وهو ما يعزز فكرة أن المعنى لا يُعطى جاهزًا، بقدرما يُبنى داخل ذهن المشاهد. وتتقاطع السينما مع السياسة، لتصبح القراءة النقدية ضرورة، حيث يجب على المتفرج أن يميز بين الخطاب الظاهر والخطاب الخفي، بين ما يُقال وما يُراد قوله.
إن “أكل” العرض السينمائي هنا هو تفكيك، وهو قراءة، وهو محاولة لفهم البنية العميقة للفيلم، حيث لا نكتفي بما نراه، ولكن نحاول أن نرى ما وراءه. وما الستار وماهي الخلفيات التي تحكمه؟ وما السياقات التي تحكمه؟ وما نوع الخطاب الذي يغلف صورة الفيلم؟
السينما كتجربة وجودية: كيف نخرج من الفيلم مختلفين
لا تكتمل تجربة المشاهدة إلا إذا أثرت فينا، إذا غيرتنا، إذا جعلتنا نرى العالم بشكل مختلف. وهنا، تتحول السينما من فن إلى تجربة وجودية. وهنا يمكن الحديث عن الأثر المتبقي في النفوس. ويفسر المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك بقوله: إن «الفيلم الجيد هو الذي يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات»، وهو ما يجعل من المشاهدة بداية لرحلة، لا نهايتها. ويرى المفكر الفرنسي جيل دولوز أن” السينما تفكر، وأنها تنتج مفاهيم، وهو ما يعني أن المشاهدة هي شكل من أشكال التفكير “. وفي هذا السياق أن الدور الجيد في الفيلم لا يغير الممثل فقط، بقدر ما يغير المشاهد أيضًا، وهو ما يعكس قوة التأثير المتبادل بين العمل والمتلقي. كما ترتبط السينما بالهوية، حيث أن الفيلم يمكن أن يعيد تعريف الإنسان لذاته، وأن يفتح له آفاقًا جديدة للفهم. كما تتسم السينما بطابع تأملي، حينما تصبح المشاهدة نوعًا من التأمل، حيث يخرج المتفرج من الفيلم أكثر هدوءًا، لكنه أكثر وعيًا.
وتترك السينما في الغالب أثرًا سياسيًا، حيث تدفع المشاهد إلى التفكير في واقعه، وربما إلى تغييره.
ويقول المخرج ألفريد هيتشكوك إن «السينما هي الحياة بعد حذف الأجزاء المملة»، لكن الحقيقة أن السينما الجيدة لا تحذف، فهي تكثف، تجعلنا نرى ما لا نراه في حياتنا اليومية.
إن “أكل” العرض السينمائي، في هذا المستوى، هو تحول، وهو عبور من حالة إلى أخرى، حيث لا نخرج من الفيلم كما دخلنا، ولكن نحمل معنا شيئًا منه، ربما فكرة، ربما شعور، ربما سؤال لا إجابة له.
ختاما
يمكن القول إن مشاهدة الفيلم لا يمثل فعلًا بسيطًا، فهي تجربة متعددة المستويات، تبدأ بالتذوق، تمر عبر التحليل، وتنتهي بالتحول. إنها رحلة داخل الذات بقدر ما هي رحلة داخل الصورة، وهي دعوة مفتوحة لأن نكون أكثر وعيًا، أكثر حساسية، وأكثر استعدادًا للانفتاح على العالم. ولا تتأسس السينما، في جوهرها، على ما نراه، وإنما فيما نصبحه بعدها.
The post كيف نأكل عرضًا سينمائيًا؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





