كيف أربكت تعديلاتُ الضمان خططَ المشتركين اختياريًا؟
على مائدة إفطار اليوم الأول من رمضان، اجتمعت أسرٌ أردنية من أقارب وأنسباء مقيمين في قطر، ولم يكن هناك موضوعٌ أكثر حضورًا من إعلان الحكومة الأردنية تعديلاتٍ مقترحة على قانون الضمان الاجتماعي. ولم يكن الأمر نقاشًا مفتوحًا بقدر ما كان إفصاحًا عن القرارات الشخصية؛ فالأكبر سنًا وهم في الخمسينات أو تجاوزوها قرروا الاستمرار في دفع اشتراكاتهم الشهرية. أما الأصغر سنًا ممن يملكون عددًا محدودًا من الاشتراكات فقرروا التوقف عن الدفع. جلس الشاب العشريني ظاهر، والذي وصل قطر قبل عامين ونصف، يصغي إلى الفريقين قبل أن يتدخل: «قلتلهم نستنى شوي، نعرف عن القرار أكثر».
كان من بين أبرز التعديلات المقترحة على القانون رفع عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاق راتب تقاعد الشيخوخة من 180 إلى 240 اشتراكًا، أي أن المشترك سيحتاج إلى العمل 20 سنةً بدلًا من 15، شرط بلوغه سن التقاعد الذي ارتفع كذلك من 60 إلى 65 عامًا. كما رفع التعديل المقترح عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر من 252 اشتراكًا للذكر و228 اشتراكًا للأنثى، إلى 360 اشتراكًا للجنسين بعض النظر عن العمر.
كل أرباب الأسر المجتمعين حول مائدة الإفطار في الدوحة مشتركون اختياريًا في الضمان الاجتماعي، وهو نظام متاح للأردنيين داخل البلاد وخارجها، حيث يتيح للمشترك الحصول على راتب تقاعد بسبب الشيخوخة أو العجز، كما يمنح عائلته راتبًا بعد وفاته، مقابل دفع 17.5% من أجره الشهري الخاضع للاقتطاع. علمًا بأنه في حالات الاشتراك الإلزامي للعاملين في القطاع الخاص داخل الأردن تتوزع نسبة الاقتطاع بين 7.5% يتحملها العامل و 14.25% تتحملها المنشأة، وتتطابق شروط استحقاق الراتب التقاعدي بين المشتركين إلزاميًا واختياريًا.
عادةً ما يشترك اختياريًا من لا يعملون في شركات ملزمة بإشراك موظفيها، أو من يريدون استكمال سنوات الاشتراك بعد فقدان وظائفهم، أو أصحاب المهن المستقلة والعاملون بشكل حر (الفريلانس)، إضافة إلى الأردنيين المغتربين. ويبلغ عدد المشتركين اختياريًا أكثر من 100 ألف مشترك، يشكل المغتربون في دول الخليج النسبة الأكبر منهم. وبالمجمل، يمثّل المشتركون اختياريًا ما نسبته 6.3% من إجمالي المؤمن عليهم.[1]
كان ظاهر* قد اشترك اختياريًا بعد انتهاء عمله لمدة ستة أشهر في شركة إنتاج بالأردن وانتقاله للعمل في أحد المراكز البحثية في قطر. اليوم يُقتطع 17.5% من أجرٍ افتراضي قدره 450 دينارًا، وهو يتذكّر سبب قراره: «لما عرفنا رح تيجي بنتي، الواحد توحّش، شغّلت وضع النجاة، يعني بلّشت أفكر بصناديق الادخار والضمان الاجتماعي، وشو فيه أشياء أوفرها عشان المولودة الجديدة وإمها، إذا توفيت يكون فيه راتب تقاعدي يسند العائلة».
إلى جانب الاشتراك الاختياري، انضم ظاهر إلى برنامجين تقاعديين في شركة تأمين خاصة يدفع لهما أقساطًا شهرية مقابل الحصول على أحد أشكال التقاعد عند بلوغه سنًا معينة. وقد رفع ظاهر قيمة أجره الافتراضي لدى الضمان الاجتماعي بمقدار 5% ثلاث مرات، فصار يدفع قرابة 96 دينارًا عن أجر 550 دينارًا، ولديه اليوم 34 اشتراكًا.
يثق ظاهر بالاشتراك الاختياري واستثمارات الضمان الاجتماعي أكثر من ثقته ببرامج الشركات الخاصة. ويرى أن تقاعد الضمان أكثر ديمومةً، إذ قد تمنح الشركات راتبًا لسنوات محدودة أو مبلغًا مقطوعًا، لذلك يصرّ على مواصلة الدفع رغم ارتفاع تكلفته مقارنةً بما يدفعه للشركات الخاصة قائلًا: «ما عنا بديل عن الضمان، حتى شو ما كانت صناديق التقاعد الخاصة بس في النهاية ما فيه رقابة وما فيه شفافية، أنا فايت مثل مساهم في شركة استثمارية كله بالنهاية مكشوف الظهر».
يحاول ظاهر فهم دوافع التعديل على القانون، مدركًا كما يقول أن متوسط الأعمار يرتفع، وأنه من الضروري رفع سن التقاعد. كما يعي التحديات المالية لمؤسسة الضمان، لكنه يقول: «في النهاية من غير المنصف تزيد السنين مرة وحدة، وبنفس الوقت ما تعطي توضيح عن تنمية موارد الضمان غير جيبتي».
وكانت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي قد أعلنت في كانون الأول 2025 نتائج دراسة اكتوارية تُجريها كل ثلاث سنوات[2] لتقييم مركزها المالي واستدامتها التأمينية، وخلصت الدراسة إلى أن مكافحة التهرب التأميني في القطاع المنظم وشمول العاملين في القطاع غير المنظم أولوية وطنية. فقرابة 23% من العاملين في القطاع المنظّم غير مشمولين بالضمان، فيما يتجاوز غير المشمولين في القطاع غير المنظم 50% من العاملين في الأردن. كما أن نحو 85% من العمالة الوافدة غير مشمولة، علمًا أن عددهم يقارب 1.2 مليون عامل.
وكان وزير العمل ورئيس مجلس إدارة المؤسسة قد ربط بين الحد من التقاعد المبكر وزيادة نسبة شمول غير المؤمنين بوصفهما عاملين رئيسيين لضمان الاستدامة المالية والابتعاد عن نقطة التعادل؛ أي تساوي إيرادات الاشتراكات مع النفقات التأمينية، وهي نقطة دفعت الحكومة لاقتراح التعديلات كما يقول.
يُذكر أن عدد المشتركين اختياريًا قد نما خلال العقد الأخير بوتيرة متذبذبة، قبل أن يسجل ارتفاعًا ملحوظًا عام 2022 بنسبة 11.3% مقارنة بالعام السابق. ومع ذلك، ظلت الزيادة دون المتوقع رغم دعوات المؤسسة المتكررة للمغتربين وربات المنازل للاشتراك. علمًا بأن النساء يمثلن النسبة الأقل من عدد المشتركين اختياريًا بنسبة بلغت 34% فقط.[3]
«أنا عم بصفن، لإيش يعني أظل أدفع»، كان هذا أول ما خطر للمحامية الثلاثينية فضاء أبو السمن عند قراءتها التعديلات المقترحة، وهي المشتركة اختياريًا منذ مطلع العام 2021 على الحد الأدنى للأجور، لتأمين راتب شيخوخة يوفر دخلًا مستقبليًا لها ولطفليها اليتيمين البالغين ثماني سنوات.
في النظام الساري حاليًا، يحق لها التقاعد عند سن 55 بعد استكمال دفع 180 اشتراكًا، أي 15 سنة من العمل. أما بعد التعديلات المقترحة فعليها بلوغ الستين وإكمال 240 اشتراكًا (20 سنة من العمل). ورغم وجود نظام تقاعد إلزامي في نقابة المحامين إلا أنها اشتركت اختياريًا في الضمان لأنه يتيح لها التقاعد في سنٍ أبكر (55 عامًا)، مقارنة مع تقاعد النقابة على عمر 60 سنة، بالإضافة إلى ثقتها بمستقبل الضمان الاجتماعي. أما الآن وقد تساوت الشروط تقريبًا، فقد تساوت الأمور عندها أيضًا: «الواحد لعمر 60 سنة ما بعرف شو بيصير معه، وكمان زادوا الاشتراكات، كنت قبل أحسب 180 اشتراك وأقول مقدور عليهم، هلأ صار 240 اشتراك، صار صعب».
عمومًا، تُعد النساء من الفئات الأكثر تضررًا من التعديل، فمن المتوقع أن تتجه المشتركات اختياريًا أكثر مما سبق إلى طلب تعويض الدفعة الواحدة بدل انتظار تقاعد قد يصعب بلوغه، خصوصًا في ظل محدودية فرص العمل المتاحة لهن واستمراريتها، إضافة إلى الأعباء الصحية والانشغالات الاجتماعية والرعائية التي تجعل الاستمرار بالعمل في سن متقدم تحديًا حقيقيًا.
حين اشتركت أبو السمن في الضمان حسبت السنوات المتبقية للتقاعد بدقة، وهي تتساءل عن فرصتها أصلًا في إيجاد عملٍ والاستمرار فيه حتى تواصل دفع الاشتراكات: «لا ستين، ولا خمسة وخمسين، ولا أي شركة بتشغّل بهذا العمر». أما الأكيد اليوم فهو رغبتها بسحب اشتراكاتها إن أتاح القانون ذلك، وهي الآن تفكر جديًا برفع قيمة اشتراكها في شركة تأمين خاصة كانت اشتركت بها قبل سنتين، رغم أنها تمنحها مبلغًا مقطوعًا لا راتبًا دائما.
وكانت الحكومة قد أقرت التعديلات المقترحة دون الأخذ بتوصيات بعض مؤسسات المجتمع المدني لمعالجة نقطة التعادل دون تحميل المؤمن عليهم العبء الأكبر، من خلال تعزيز أدوات التفتيش على التهرب التأميني والتوسع في شمول غير المؤمنين، وفقًا لحمادة أبو نجمة، مدير بيت العمل، والذي شارك في نقاشات المجلس الاقتصادي والاجتماعي التي أجريت مؤخرًا حول الضمان الاجتماعي، معتبرًا أن الحكومة ركزت على الحلول الأسهل بينما كان يفترض بذل جهد أكبر في الرقابة والتفتيش وتوسيع مظلة التأمين.
في كل الأحوال، يحتاج تعديل القانون إلى موافقة مجلس الأمة بشقيه، النواب والأعيان. إلا أن سرعة الإعلان عن التعديلات أثارت الكثير من الغموض والارتباك لدى بعض المشتركين ومنهم الاختياري، وقد انتشرت الأسئلة على وسائل التواصل الاجتماعي حول إمكانية سحب الاشتراكات وحتى بيعها.
ولو أُقرّت التعديلات من مجلس الأمة فإنها ستربك حياة الكثيرين وتعيد ترتيب حياتهم، ومنهم الدكتور معاذ طلفاح (49 عامًا) والذي أمضى قرابة 12 سنة مشتركًا اختياريًا خلال عمله في السعودية ثم في جامعة في البحرين، ولديه اليوم 144 اشتراكًا فيما كان يفصله عن استيفاء اشتراكات تقاعد الشيخوخة ثلاث سنوات فقط. وقد كان لسنوات يحسب شهريًا المدة الباقية قبل حصوله على راتب التقاعد ورمي الغربة وراء ظهره والعودة إلى زوجته وأطفاله الثلاثة. لكن مع الإعلان عن التعديلات صار عليه أن يستمر في دفع الاشتراكات لثمانية سنوات بدلًا من ثلاثة، كما عليه أن ينتظر حتى بلوغ سن الخامسة والستين لاستلام الراتب التقاعدي: «كنا نتخيل إنه الضمان الاجتماعي سيوفرلنا راتب على القانون القديم، كان قريب، الواحد إذا رجع على وظيفة في الأردن كم سنة ويطلعله الراتب ويمشي حاله والأولاد يكونوا كبروا، لكن مع الوضع الحالي لخبطوا كل شي».
الآن، سيكون على طلفاح العمل لسنوات إضافية في الغربة، بعيدًا عن عائلته، حتى بلوغه سن الخامسة والستين لاستكمال شروط التقاعد: «راتب الضمان ما رح يعيشنا ملوك، لكن هو مصدر دخل ثابت يقدم السند بالشيخوخة، على الأقل يمنعني أمد إيدي، إحنا لا عنا أراضي ولا عقارات ولا ألوفات».
لكن، قد لا يسمح لطلفاح بالعمل حتى سن الخامسة والستين إذ لا تسمح البحرين، مثل دول خليجية أخرى، للعامل الأجنبي بالعمل بعد سن الستين إلا بشروط واستثناءات. وهذا هو الهاجس نفسه الذي دار في حديث كبار السن المشتركين اختياريًا والمجتمعين حول مائدة الإفطار في اليوم الأول من رمضان في الدوحة، إذ يفكرون بالسنوات الخمسة بعد الستين وكيف ستكون خياراتهم صعبة بين السعي للحصول على استثناء من السلطات القطرية أو دفع الاشتراكات المتبقية أو الخيار الأصعب؛ التوقف عن الدفع.
-
الهوامش*اسم مستعار بناء على طلب صاحبه.
[2] بموجب المادة (18) من قانونها.





