كيف التهمت فاتورة الكهرباء سلة غذاء السوريين؟
تابع المقالة كيف التهمت فاتورة الكهرباء سلة غذاء السوريين؟ على الحل نت.
كشفت دراسة ميدانية حديثة حول أثر أزمة الكهرباء على الواقع المعيشي في سوريا، عن تحولات جذرية في سلوك المستهلك السوري، حيث لم تعد تكلفة الطاقة مجرد بند إضافي ضمن قائمة الفواتير الشهرية، بل تحولت إلى متغير رئيسي يعيد تشكيل أولويات الإنفاق الأسري، ويقتطع بشكل مباشر من حصة الاحتياجات الأساسية الأخرى، وفي مقدمتها الغذاء والصحة.
ففي بلد يعاني أصلاً من تدهور حاد في القوة الشرائية، جاء رفع التعرفة الكهربائية ليشكل صدمة معيشية جديدة، دفعت الأسر السورية إلى إعادة حساب معادلات البقاء اليومي، وإلى خيارات قاسية بين توفير لقمة العيش أو تأمين الإنارة.
أرقام صادمة تكشف عمق الأزمة
خرجت هذه المعطيات من دراسة ميدانية أجرتها منصة “استبيانات سوريا”، التي اعتمدت منهجية رقمية دقيقة للوصول إلى صورة واقعية تعكس حجم التداعيات، فقد شملت الدراسة 500 عينة من المواطنين السوريين، نجح منها 201 مشارك فقط في استكمال الاستبيان بعد اجتياز اختبارات صارمة للاستهداف والفلترة البرمجية ومنظومة الجودة التي تشمل بصمة المتصفح والتحقق من الشبكة، بهدف ضمان وصول الاستطلاع إلى الأشخاص المسؤولين فعلياً عن إدارة المصاريف المنزلية ودفع الفواتير.

وقدمت هذه العينة، التي تم استطلاع رأيها حول رفع التعرفة الكهربائية والحلول التي لجأوا إليها، قراءة صادمة عن حجم التحول في نمط الحيا، لترسم الأرقام التي كشف عنها المشاركون ملامح أزمة تتجاوز حدود الاحتمال.
أوضح المشاركون أن فاتورة الكهرباء باتت تتصدر قائمة الالتزامات الشهرية، متجاوزة في قيمتها فواتير التدفئة والاتصالات والتعليم والصحة، فقبل الزيادة، كانت الفواتير تتراوح بين ألف ليرة سورية ومئتي ألف ليرة، أما بعد رفع التعرفة، فقفزت إلى أرقام خرافية تجاوزت في بعض الحالات ثلاثة ملايين ليرة سورية.
صدمة الفواتير تمتد إلى موائد الغذاء
شكلت هذه القفزة غير المسبوقة، التي وصفها 156 مشاركاً من أصل 201 بأنها “غير منطقية ولا تتناسب مع المستوى المعيشي للمواطن”، صدمة حقيقية عند استلام الفاتورة الأولى، دفع الكثيرين إلى الاستدانة أو تقنين استخدام الأجهزة الكهربائية، من سخانات ومدافئ وأجهزة طهي، وصولاً إلى الإضاءة الأساسية.
لكن الأثر الأشد قسوة تجلى في التداعيات على سلة الغذاء السورية، فحوالي خمسين بالمئة من المشاركين في الدراسة أفصحوا عن أنهم اضطروا إلى تقليص وجبات الطعام، وخفض كمية ونوعية الغذاء، وذلك بهدف تأمين مبلغ الفواتير المتضخمة.
كما لم يقتصر هذا التحول على الجانب المادي فحسب، بل امتد ليطاول النسيج الاجتماعي والأسري، حيث أفاد المشاركون بتزايد حدة المشاحنات الأسرية جراء الضغوط الاقتصادية المتراكمة، مما يجعل من فاتورة الكهرباء عاملاً مؤثراً في الاستقرار الأسري بقدر تأثيرها في الاستقرار المعيشي.
مطالب بإصلاح التعرفة وحلول بديلة
في خضم هذا الواقع، برزت أصوات المشاركين مطالبة الحكومة السورية بإعادة النظر في هيكلة التعرفة الجديدة، بما يتناسب مع دخل الفرد المتهاوي، وهو ما دفع القائمين على الدراسة إلى صياغة توصيات عملية، أبرزها تبني آليات “التمويل الأخضر الميسر” لتسهيل امتلاك العائلات والمنشآت الصغيرة لمنظومات الطاقة البديلة، مع الدعوة إلى الشفافية في هيكلة الأسعار لضمان توازن عادل بين تكلفة الخدمة والقدرة الشرائية، وتحسين معايير الجودة بحيث تقترن أي زيادة في التكلفة باستقرار الخدمة الفعلي.

في غضون ذلك، لا يزال الجدل الشعبي محتدماً حول قرار رفع التعرفة الكهربائية، الذي أقرته وزارة الطاقة السورية في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بتقسيم الاستهلاك إلى أربع شرائح زعمت أنها تراعي الفئات الاجتماعية المختلفة.
وخصصت الشريحة الأولى لمن يستهلكون حتى 300 كيلوواط خلال دورتين شهريتين، بسعر 600 ليرة للكيلوواط بدعم حكومي بنسبة ستين بالمئة، بينما ارتفع السعر في الشرائح اللاحقة ليصل إلى 1400 ثم 1700 ثم 1800 ليرة للكيلوواط الواحد.
تناقض اقتصادي يفاقم معاناة السوريين
لكن الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة حماة، عبد الرحمن محمد، يرى أن القراءة المتعمقة لهذه الشرائح تكشف عن تناقض صارخ بين مبرراتها النظرية ونتائجها العملية، بحسب “عنب بلدي”.
وأفاد بأنه في بلد انهارت فيه القدرة الشرائية، وأصبح الحد الأدنى للأجور لا يشتري إلا سبعمئة وسبعة كيلوواطات فقط شهرياً بالأسعار الجديدة، وهو تراجع كارثي يفوق ستين بالمئة مقارنة بقدرته الشرائية في سبعينيات القرن الماضي، فإن حتى الاستهلاك المدعوم ضمن الشريحة الأولى بات يشكل عبئاً لا يطاق.
أما الأكثر إثارة للغضب الشعبي، بحسب محمد، فهو أن هذه الزيادات الصادمة التي وصلت في بعض الحالات إلى ثمانمائة بالمئة، لم تقترن بأي تحسن ملموس في جودة الخدمة، التي لا تزال تعاني من التقنين والانقطاعات، مما جعل المواطن السوري يواجه معادلة مستحيلة، فاتورة باهظة مقابل خدمة متقطعة، وسلة غذاء تفرغ محتوياتها تدريجياً لصالح تأمين الإنارة، في مشهد يعيد تعريف معنى الأمن المعيشي في بلد أنهكته الأزمات.
- كيف التهمت فاتورة الكهرباء سلة غذاء السوريين؟
- تقرير دولي: سوريا تبقى ضمن الدول “غير الحرة” رغم تحسن محدود
- ابتزاز عبر المضيق..لماذا تتمسك إيران بفرض سيطرتها على “هرمز”؟
- مخالفة جديدة للإعلان الدستوري.. المرسوم 70 يوسّع الجدل حول صلاحيات الشرع
- إسرائيل تستهدف خطوط إمداد السلاح الروسي لإيران في بحر قزوين
تابع المقالة كيف التهمت فاتورة الكهرباء سلة غذاء السوريين؟ على الحل نت.


