كيف أعاد عزيز اخنوش الاعتبار لمؤسسة رئاسة الحكومة؟
منذ إقرار دستور 2011، دخل المغرب مرحلة جديدة في مسار بنائه الدستوري والسياسي والمؤسساتي. فقد جاء هذا الدستور في سياق وطني وإقليمي استثنائي، حاملا إصلاحات بنيوية أعادت توزيع السلط، ووسعت من نطاق الحقوق والحريات، ومنحت النظام السياسي مقروئية أوضح عبر ترسيخ ثنائية برلمانية متوازنة، وإقرار مكانة دستورية لهيئات الحكامة، فضلا عن دسترة الهوية الوطنية بمختلف مكوناتها.
ومن بين أهم التحولات التي جاء بها هذا الدستور، يبرز الانتقال من “الوزارة الأولى” إلى “رئاسة الحكومة”، وهو تحول نوعي لم يقتصر على تغيير التسمية، بل رافقه توسيع غير مسبوق لصلاحيات رئيس الحكومة، الذي أصبح سلطة قائمة الذات، يتمتع بشرعية ديمقراطية مستمدة من الانتخابات التشريعية، ويملك أدوات دستورية تتيح له قيادة الجهاز التنفيذي وتوجيه السياسات العمومية.
حين وصل عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة سنة 2012، وجد أمامه فرصة تاريخية لتجسيد هذا التحول الدستوري، إلا أن ممارسته لم ترتق إلى مستوى النصوص.
صحيح، أنه رفع شعار “الحكومة المنتخبة” وذكر مرارا بشرعية صناديق الاقتراع، بل لوح في خطاباته بأن موجة “الربيع العربي” لم تنته بعد، لكن كل ذلك ظل محصورا في دائرة الخطاب الشعبوي أكثر منه ممارسة مؤسساتية.
كان بنكيران منشغلا أساسا بكسب ثقة المؤسسة الملكية، أكثر من انشغاله بتفعيل الصلاحيات الدستورية التي خولها له دستور 2011. فترك النص الدستوري جانبا، وركز على الخطابة في مواجهة خصومه السياسيين، دون أن يجرؤ على استثمار أدواته الدستورية في توجيه مسار السلطة التنفيذية وفرض الانضباط داخل الفريق الحكومي.
في النهاية، لم ينجح لا في أن يتحول إلى شريك مؤسساتي حقيقي، ولا في أن يرتقي إلى موقع “حزب الدولة”، وكانت النتيجة إبعاده من المشهد التنفيذي وتعويضه بـسعد الدين العثماني.
وبالمقابل اتجهت التجربة مع سعد الدين العثماني نحو مزيد من التحفظ. فقد بدا رئيس الحكومة أشبه ب”موظف سام” يكتفي بتصريف الشأن اليومي، دون أن يضفي على المؤسسة أي طابع قيادي أو رؤية سياسية. وبذلك ظلت رئاسة الحكومة خلال ولايته شبه غائبة، مجرد عنوان بروتوكولي يفتقر إلى روح القيادة، مما عمق صورة المؤسسة كظل باهت للنص الدستوري.
بدأ التحول الحقيقي مع عزيز أخنوش. فمنذ توليه المسؤولية، أعاد لرئاسة الحكومة بريقها، وأعطاها زخما ملموسا على مستوى الممارسة. لم يكتف بالشرعية الانتخابية ولا بالخطاب السياسي، بل وظف صلاحياته بشكل يومي ومنهجي. فهو يترأس المجالس الحكومية بانتظام، يعقد جلسات عمل مع القطاعات الوزارية، يلتقي بممثلي الأغلبية، ويشارك في الملتقيات الاقتصادية والثقافية… كما يحرص على الحضور إلى البرلمان لتقييم السياسات العمومية، فضلا عن تمثيله المملكة في مناسبات دولية رفيعة، من تنصيب الرؤساء إلى الحضور في المنتديات العالمية… فكل هذه الممارسات منحت مؤسسة رئاسة الحكومة حضورا مؤسسيتا لم يكن قائما في التجارب السابقة.
إضافة إلى ذلك، استطاع أخنوش أن يجعل الحكومة تسير برأس واحدة، حيث تراجع منطق الازدواجية في القيادة وتقلصت تناقضات المواقف، مع تسجيل استثناءات محدودة. مقابل ذلك، برز انسجام واضح وانضباط حكومي يعكس حضور قائد ينسق عمل مكونات الفريق الحكومي وفق رؤية منسجمة مع التوجهات الملكية الاستراتيجية، مع الحفاظ في الآن ذاته على بصمة خاصة لرئيس الحكومة.
وقد جسد التعديل الحكومي الأخير هذا التوجه بوضوح، إذ فعل أخنوش صلاحياته في إعادة تشكيل الفريق الحكومي وفق اختياراته، رغم الجدل الذي رافق بعض التعيينات… وهو ما يعكس ترسيخ موقع رئيس الحكومة كصاحب القرار في تشكيل السلطة التنفيذية، ويؤكد أن المؤسسة لم تعد مجرد واجهة شكلية، بل فاعلا محوريا في هندسة القرار الحكومي.
أما على مستوى الخطاب السياسي، فقد اختار عزيز أخنوش الابتعاد عن الشعبوية والبوليميك، معتمدا لغة عقلانية مسؤولة لرجل دولة يضع مصلحة البلاد فوق أي حسابات حزبية أو انتخابية. وهذا مكسب آخر لرئاسة الحكومة، إذ أعاد لها قيمتها الرمزية والاعتبارية، ورفعها إلى مستوى التحديات الوطنية والإقليمية والدولية التي تواجه المغرب.
ويمكن القول إن دستور 2011 أرسى مؤسسة “رئاسة الحكومة” بصلاحيات واسعة، ذلك أنها ظلت، خلال التجربة السابقة، أسيرة خطاب دون تفعيل حقيقي، أو ممارسة باهتة لم تعكس حجم الاختصاصات التي منحها لها النص الدستوري.
وهكذا يمكن القول إن تجربة عزيز أخنوش تحولا نوعيا في تموقع مؤسسة رئاسة الحكومة التي استعادت موقعها المحوري داخل بنية السلطة التنفيذية والبناء المؤسساتي الدستوري، من خلال السعي إلى تفعيل أدوارها وتعزيز حضورها في تدبير السياسات العمومية. وهو مسار، رغم ما يطرحه من تحديات، يساهم في إحياء الدينامية المؤسساتية التي أقرها دستور 2011، ويمهد لترسيخ ممارسة سياسية أكثر نضجا، قوامها الفعالية والوضوح في توزيع المسؤوليات وربط السلطة بالمحاسبة.
ظهرت المقالة كيف أعاد عزيز اخنوش الاعتبار لمؤسسة رئاسة الحكومة؟ أولاً على مدار21.



