قصائد على ضَوء نار تَحَرَّق
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
علي الخزيم - كان من عادات عرب الجزيرة العربية المداومة على بقاء نارهم متوقدة ولا سيما ليلًا تحسبًا لطارق يطرقهم (الطارق: الضيف يصل ليلًا دون موعد ومعرفة)؛ وإن كان سَرَاة القوم (أكابرهم وساداتهم) يأنفون من خُبُوت نارهم ليلًا ونهارًا لديمومة الوافدين إليهم ضيوفًا وزوارًا؛ ولذا: سار المثل العربي لوصف الكرام بقولهم: (فلان كثير الرماد)! كناية عن شدة الكرم وامتداده وشموليته؛ فلا يكون بالقِرَى (تقديم الزاد) وحده؛ بل بالتبسط للضيوف ومحادثتهم بأجمل الحكايات والقَصص التي تُسَرِّي عنهم. - ويحلو القصيد وحكايات السَّمَر على ضوء نار المُضيف؛ ويتفنّن الشعراء بإبداعاتهم حيث تطيب الأنفس؛ وتجود القريحة، غير أن للنار صُحبة مأنوسة مع القصيد والسَّمر والترحال عبر الفَيافِي والقِفَار؛ فمن ذلكم ما نَسَجَه بعضهم عن نفسه كنتاج أدبي بزمَنِه؛ ومنها ما يُصوّر لوعة عاشق وذوبان قلبه على محبوبه، ومنها ما جاء كمدح لطرف آخر لقاء مَكرمة أو موقف نبيل ونحوه، ومُلاءمَة للعنوان أعلاه: يناسب إيراد قصة الشاعر الأعشى (ميمُون بن قيس) مع رجل عربي ذي شأن بقومه يُسمَّى (المُحَلَّق الكلابي) ولقسوة الظروف المادية لم تتزوج بناته وخشي عنوستهن؛ فأشارت عليه زوجته بالتعرض للأعشى وهو بطريقه لسوق عكاظ؛ ولم يكن يملك سوى ناقته؛ فقابل الأعشى وعرَّفه بنفسه؛ وعقر له ناقته ثم احتفى به وأطعمه من صنع بناته؛ فامتدحه الأعشى برائعته التي مطلعها: (أرِقتُ وما هذا السُّهادُ المُؤَرِّقُ وما بِيَ مِنْ سقمٍ وما بيَ مَعْشَقُ) إلى أن قال: (لَعَمرِي لَقد لاحَتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ إلى ضَوءِ نَارٍ في يَفَاعٍ تُحَرَّقُ تُشَبُّ لمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا وَبَاتَ عَلى النَّارِ النَّدَى وَالمُحَلَّقُ). فزادت شهرة المُحلّق وأقبل الخُطَّاب على بناته. - وقصة تُنسب لمجنون ليلى (قَيْسُ بن اَلْمُلَوَّح) فورد أنه لمَّا لمْ يُزوَّج بليلى لأسباب رآها والدها؛ فقد تصادف أن قابل زوجها ذات ليلة وهو يتسامر مع رفاق له حول نار مُوقدة؛ فسأله قيس ـ يَتَوجَّد ـ بأبيات شعرية رقيقة؛ هي: (بِرَبِّكَ هَل ضَمَمتَ إِلَيكَ لَيلى قُبَيلَ الصُبحِ أَو قَبَّلتَ فاها وَهَل رَفَّت عَلَيكَ قُرونُ لَيلى رَفيفَ الأُقحُوانَةِ في نَداها كَأَنَّ قُرُنفُلاً وَسَحيقَ مِسكٍ وَصَوبَ الغادِياتِ شَمِلنَ فاها)؟! فأجابه: أمَّا وقد استحلفتني؛ فنعم، قالوا: فقبض قيس قبضات من الجمر وغُشِي عليه ساعة. - وإن تعدَّدت الأمثلة؛ فالختام يطيب بالقصيدة العذبة التي كان قد صَدَح بها الأمير الشاعر خالد الفيصل (مِن بادي الوقت)؛ يقول فيها: (تدفا على جال ضَوَّه بارد عظامي والما يسوق بمعالِيقي ويرويها إلى صفا لك زمانك عِلّ يا ظامِي أشرب قبل لا يحوس الطين صافيها).





