... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
109552 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8847 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

قميص الأسود وحسابات الأندية: حين يدفع المنتخب ضريبة التعصب الجماهيري

رياضة
مدار 21
2026/04/05 - 19:04 501 مشاهدة

يُنظر في الأعراف الكروية إلى قميص المنتخب الوطني باعتباره البوتقة التي تنصهر فيها كل الانتماءات، والخيمة التي تظلل شغف الملايين بعيدا عن ألوان الأندية وصراعاتها المحلية، غير أن المشهد الكروي المغربي الذي يتنفس شغفا استثنائيا بكرة القدم، يفرز لنا ظاهرة سوسيولوجية ورياضية مركبة تستحق الوقوف عندها وتحليل أبعادها، وهي ازدواجية الانتماء أو التعصب للفرق داخل هيكل المنتخب، حيث يجد المشجع نفسه بوعي أو بدونه، عاجزا عن التجرد الكامل من تشجيع فريقه المفضل حتى وهو يتابع مباريات المنتخب الوطني.

تبدأ هذه المفارقة حين يعجز المشجع عن خلع قبعته المحلية داخل مدرجات المنتخب أو خلف الشاشات، فبدلا من أن تتحول الجماهير إلى كتلة واحدة تدعم المنظومة ككل، يتحول طيف واسع منها إلى أبواق دفاع يتعصبون بشدة للاعب الذي ينتمي لناديهم المفضل أو الذي تدرج في فئاته، ويترصدون في المقابل هفوات لاعب النادي الغريم، حتى وإن كانا يحملان معا الشعار الوطني ويدافعان عن نفس الراية في رقعة الميدان، فيتراجع مفهوم المنتخب الجامع لصالح مفهوم ضيق وهو تمثيلية النادي داخل المنتخب، ويصبح تقييم أداء اللاعبين محكوما بعدسة تعصبية لا تُبصر سوى ما يعزز سردية تفوق النادي الأم.

وما يجعل هذه الظاهرة مثيرة للانتباه ومستفزة للتحليل في السياق المغربي، هو العودة السريعة للتعصب للنادي بعد فترات التلاحم الاستثنائية، فإذا عدنا بالذاكرة غير البعيدة إلى الملحمة التاريخية التي بصم عليها أسود الأطلس في مونديال قطر 2022، سنجد أن ذلك الإنجاز الاستثنائي نجح ولو مؤقتا، في تذويب الفوارق وتوحيد الجماهير خلف الهوية الوطنية الخالصة، حيث تماهى الجميع مع إنجازات الأسود بغض النظر عن الأندية التي ينتمي إليها اللاعبون محليا، لكن وبمجرد عودة عجلة المنافسات القارية للصدام، واشتداد التنافس في البطولة المحلية، طفت هذه النزعة الفصائلية على السطح مجددا مع أول توقف دولي.

ولتفكيك خيوط هذه المفارقة، لا بد من الغوص في البنية النفسية للمشجع المغربي، فالانتماء للأندية لم يعد مجرد هواية ترفيهية، بل تحول مع تجذر ثقافة الألتراس إلى نمط حياة وهوية متكاملة تسبق في كثير من الأحيان أي انتماء رياضي آخر.

هذا الارتباط العاطفي الجارف يتغذى بشكل يومي ومستمر عبر النقاشات والصراعات المحلية، مما يجعل النادي يتربع في لاوعي المشجع كعقيدة ثابتة، في حين يظل حضور المنتخب الوطني موسميا ومتقطعا، يفرض على المشجع مجهودا ذهنيا ونفسيا لتقبل الانصهار مع لاعبين يعتبرهم في منافسات البطولة خصوما.

ونتيجة لهذا التفاوت في الإيقاع العاطفي، تتخذ الظاهرة أبعادا سيكولوجية أعمق حين تتحول مباريات المنتخب إلى ساحة خفية لتصفية الحسابات وآلية للتعويض النفسي، فبدل التركيز على نجاح المنظومة الوطنية ككل، تستغل فئة مهمة من الجماهير تألق لاعبيها أو خريجي الفئات السنية لأنديتها لانتزاع انتصارات رمزية وإشهارها في وجه الغرماء التقليديين، وفي المقابل يتم ترصد هفوات لاعبي الأندية المنافسة لتبخيسهم وتأكيد سردية التفوق المحلي، لتصبح رقعة الميدان التي يفترض أن توحد الجميع، مجرد امتداد خفي لصراعات الأندية محليا.

ولا تتوقف تغذية هذه الظاهرة عند الحدود النفسية والسوسيولوجية للمشجع، بل تمتد لتجد وقودها الأساسي في الفضاء الرقمي والإعلام الرياضي، الذي يلعب دورا محوريا في تأجيج هذا الاستقطاب، فمنصات التواصل الاجتماعي وخاصة الصفحات الجماهيرية الكبرى المحسوبة على الأندية، تحولت إلى منابر دِعائية توجه الرأي العام، مما أدى إلى تغييب النقاش الموضوعي والنقد البناء، واستبدالهما بساحة من الصراعات الفئوية التي لا تخدم مصلحة الكرة المغربية.

وإلى جانب هذا الزخم الرقمي، تسقط بعض المنابر الإعلامية والمحللين الرياضيين في فخ الشعبوية الرياضية بحثا عن نسب المشاهدة والتفاعل السريع، وبدلا من الارتقاء بالوعي الجماهيري وتحليل أداء العناصر الوطنية وفق معايير فنية وموضوعية، يتم تقييم خيارات الناخب الوطني من عدسة ضيقة تركز على حجم تمثيلية كل ناد، مما يُشرعن للمشجع تعصبه، ويحوله من مجرد انحياز عاطفي إلى قضية رأي عام، تفاقم حجم الضغوطات الملقاة على كاهل كل مكونات النخبة الوطنية.

تتجاوز خطورة هذه النزعة الفصائلية حدود النقاشات الافتراضية لتضرب في صميم المنظومة التقنية والنفسية للمنتخب الوطني، فقد أماطت فترة وليد الركراكي اللثام عن تحول جوهري في معايير النقد الرياضي، حيث لم يُنظر إليه دوما كربان لسفينة المنتخب الوطني، بل حوصر مرارا داخل أسوار ماضيه التدريبي مع نادي الوداد، لدرجة بات معها انتماؤه السابق مادة للهجوم الشخصي والفئوي.

وتتجسد التداعيات المباشرة لهذا التعصب في خلق ضغط نفسي مزدوج ومجاني على اللاعبين، إذ يجد اللاعب نفسه مطالبا ليس فقط بإثبات مؤهلاته داخل المستطيل الأخضر، بل بمواجهة أحكام مسبقة وتربص دائم، ولا أدلّ على ذلك مما تعرضت له أسماء مثل يحيى عطية الله ويحيى جبران وأشرف داري من انتقادات قاسية واستهداف صريح تغديه مرجعيتهم الودادية، بينما طال التحامل ذاته سفيان رحيمي وبدر بانون لانتمائهما للرجاء الرياضي، واليوم تمتد هذه المقصلة لتشمل مايسترو الجيش الملكي المغربي ربيع حريمات..

إن ما نعيشه إذن ليس مجرد تعصب كروي، بل تعبير عن خلل أعمق في ترتيب دوائر الانتماء، حيث يتحول الاصطفاف إلى الفاعل الرئيسي لدى فئات واسعة من الجماهير، خاصة داخل الفضاء الرقمي.

وأمام هذا المشهد المعقد، بات من الضروري التأسيس لوعي رياضي جديد يقطع مع هذه الممارسات، ويعيد صياغة مفهوم المشجع الوطني، فالأمر يتطلب إدراكا جماعيا بأن النادي، مهما بلغت عظمته وتاريخه، يظل مؤسسة تنافسية تخضع لمنطق الربح والخسارة المحلي أو القاري، بينما يمثل المنتخب كيانا سياديا ورمزا للهوية الوطنية الشاملة.

ولبلوغ هذه الثقافة الجماهيرية الناضجة، تبرز الحاجة الماسة إلى تضافر جهود كافة الفاعلين في الحقل الرياضي، فالإعلام مطالب بالارتقاء بخطابه، وقادة روابط المشجعين مطالبون بتوجيه القواعد الجماهيرية نحو الالتفاف حول المنتخب كأولوية مطلقة، كما أن قوة البطولة المحلية وتألق أنديتها يجب أن يظلا الرافد الأساسي الذي يغذي المنتخب ويزيد من إشعاعه، وليس معول هدم يضرب استقراره وانسجامه، ففي نهاية المطاف وحده العلم الوطني من يرتفع في المحافل الدولية الكبرى ليمثل الجميع دون استثناء.

حاصل على شهادة الدكتوراه في الآداب

ظهرت المقالة قميص الأسود وحسابات الأندية: حين يدفع المنتخب ضريبة التعصب الجماهيري أولاً على مدار21.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤