... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
106659 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8447 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

خطاب “الحزب” يُعيد تعريف لبنان؟

العالم
مركز بيروت للأخبار
2026/04/05 - 08:38 501 مشاهدة

كتب ايمن جزيني

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون الخطب السياسية مجرّد تعبير عن موقف، بل تصبح فعلًا تأسيسياً يعيد رسم حدود الممكن والمستحيل معًا. هكذا يمكن قراءة رسالة ـ الخطاب الأخير للأمين العام لـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم، لا بوصفه تعليقًا على جولة من المواجهة، بل باعتباره إعلانًا عن انتقال نوعي في تعريف الصراع، وفي موقع لبنان داخل هذا الصراع. نحن، إذًا، أمام نصّ سياسي كثيف، يتجاوز اللحظة العسكرية ليؤسس لمرحلة كاملة، تتداخل فيها السياسة بالثقافة، والاستراتيجية بالسوسيولوجيا، والداخل بالإقليم.
 
غير أن أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في ما يعلنه، بل أيضاً في ما يفرضه ضمناً: إعادة ترتيب الأولويات الوطنية تحت ضغط سردية كبرى، قد تعزّز التعبئة عند من يسعون إلى الشحن، لكنها تطرح في المقابل أسئلة صعبة حول قدرة لبنان البنيوية على تحمّل تبعاتها. وهي ـ أي الرسالة ـ تنتقل من خطاب التعبئة إلى تثبيت الشرعية، ما يفرض قراءة نقدية في تحول رؤية “الحزب” للصراع، وحدود قدرة لبنان على تحمّل حرب مفتوحة بلا أفق سياسي.
من خطاب التبرير إلى خطاب التعبئة
يُظهر قاسم في الرسالة ـ الخطاب تحولاً حاسماً من منطق الدفاع إلى منطق “التعبئة الشاملة”. لم يعد الهدف شرح ما يجري أو تبرير خيار عسكري محدد، بل إعادة صياغة الوعي الجماعي حول طبيعة الصراع نفسه. هكذا، تنتقل اللغة من توصيف الحدث إلى إنتاج معنى له: الصراع لم يعد مواجهةً حدوديةً أو رداً على اعتداء، بل صار جزءاً من معركة وجودية مفتوحة.
غير أن هذا التحول، بقدر ما يعزز القدرة على الحشد، يحمل في طياته مخاطر جدية، إذ إن تحويل الصراع إلى معركة وجودية يُقلص هامش السياسة، ويجعل أي مقاربة تفاوضية تبدو وكأنها خيانة، لا خياراً مشروعاً لإدارة النزاع.

لم يعد الهدف شرح ما يجري أو تبرير خيار عسكري محدد، بل إعادة صياغة الوعي الجماعي حول طبيعة الصراع نفسه

إعادة تعريف الصراع… من الجغرافيا إلى الحضارة
يرفع قاسم سقف الصراع من نزاع مع إسرائيل إلى مشروع أميركي ـ إسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة. هذا التوصيف يُنتج منطقاً سياسياً جديداً: إذا كان الصراع وجودياً، فلا معنى لتسويات جزئية.
لكن هذا الرفع للسقف، رغم فعاليته التعبوية عند  “الحزب” وجمهوره، يطرح إشكالية أساسية: هل يخدم لبنان فعلياً أن يُدرج نفسه في صراع إقليمي مفتوح بهذا الحجم؟ أم أن هذا التوصيف يضعه في موقع يتجاوز قدرته على الاحتمال، ويحوّله من “فاعل محدود” إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين؟
بهذا المعنى، لا يكتفي الخطاب برفع سقف المواجهة، بل يعيد تعريف ما هو ممكن سياسياً، بحيث يصبح أي خروج عن هذه السردية أشبه بخروج عن الإجماع الوطني، لا مجرد اختلاف في التقدير. وهي معادلة تحمل في طيّاتها ميلاً إلى إغلاق المجال السياسي بدل توسيعه.
السلاح كمسألة سوسيولوجية… صراع على تعريف الشرعية
في قلب الخطاب، تتحوّل مسألة سلاح “الحزب” إلى مسألة تتعلق بتعريف الشرعية داخل المجتمع اللبناني. فربط الدعوة إلى حصرية السلاح بأجندة خارجية لا يكتفي برفض الطرح، بل يعمل على نزع شرعيته من أساسه.
غير أن هذا الربط، يُغلق النقاش العام بدل أن يديره. فهو ينقل المسألة من إطارها السياسي ـ الدستوري إلى إطار تخويني، ما يجعل أي محاولة لبناء توافق داخلي أقرب إلى المستحيل.
والأخطر في هذا المسار، أنه لا يكتفي بحماية سلاح قائم وموجود، بل يعيد إنتاجه كشرط مسبق لأي نقاش وطني، ما يعني عملياً نقل مركز القرار من الدولة إلى معادلة موازية لها، يصعب إخضاعها للمساءلة أو إعادة التفاوض حولها. وهذه المعادلة الموازية هي “الحزب” و”المقاومة” ومن دون أي مواربة.
وفي العمق، يعكس هذا الواقع أزمة أعمق: وجود نموذجين متوازيين للدولة، لا يلتقيان إلا ظرفياً. نموذج يحتكر العنف المشروع وهو  “الحزب”، وآخر يوزّعه ضمن منطق “المقاومة”. وهذه الازدواجية لا تنتج توازناً مستقراً، بل تكرّس هشاشة بنيوية في الدولة اللبنانية.

يرفع قاسم سقف الصراع من نزاع مع إسرائيل إلى مشروع أميركي ـ إسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة. هذا التوصيف يُنتج منطقاً سياسياً جديداً: إذا كان الصراع وجودياً، فلا معنى لتسويات جزئية

إغلاق الأفق الدبلوماسي… من التكتيك إلى العقيدة
رفض التفاوض تحت النار يظهر كقرار حازم، لكنه يتجاوز البعد التكتيكي ليقترب من مستوى العقيدة. فالتفاوض، في هذا السياق، يُعاد تعريفه كفعل خضوع، لا كأداة إدارة صراع.
غير أن هذا الموقف يطرح معضلة أساسية: إذا أُغلقت كل القنوات المرحلية، فهل يبقى سوى خيارين: التصعيد أو الجمود؟ وفي كلا الحالتين، يتحمّل المجتمع كلفة صراع طويل بلا أفق واضح للحل.
عملياً، يوجه الخطاب رسائل واضحة إلى الداخل، لكنه لا يدعو إلى وحدة مفتوحة، بل إلى وحدة مشروطة بتبنّي رؤية محدّدة للصراع. بهذا المعنى، تتحوّل الوحدة من إطار تعددي إلى صيغة أقرب إلى الامتثال السياسي.
وفي هذه الحالة، لا تعود الوحدة إطاراً لإدارة التعدد، بل تتحوّل إلى أداة لإعادة ضبطه، حيث يُقبل الاختلاف ما دام لا يمسّ جوهر “الخيار الاستراتيجي” لـ “الحزب”، ويُرفض عندما يقترب منه.
وهنا تكمن إشكالية عميقة: حين تُعرّف الوطنية انطلاقاً من موقف واحد، فإنها تفقد طابعها الجامع، وتتحوّل إلى أداة إقصاء. وبذلك، لا يعود الخلاف السياسي اختلافاً مشروعاً، بل يصبح خروجاً عن الإجماع المفترض، الذي لا وجود له أصلاً.

يمكن اختزال المشهد اللبناني في صراع بين سرديتين: سردية “المقاومة” بوصفها مصدر الشرعية على ما يقصد الشيخ نعيم، وسردية الدولة بوصفها الإطار لجميع اللبنانيين

البعد الإقليمي… لبنان كوظيفة داخل محور
تثبيت العلاقة مع إيران في الخطاب يعكس بوضوح موقع لبنان ضمن محور إقليمي. هذا التموضع لا يمنح البلد عنصر قوة وردع، وفي الوقت نفسه يطرح سؤال السيادة: إلى أي حد يمكن للبنان أن يحدد مساره بنفسه ضمن هذه المعادلة؟
المفارقة هنا أن الارتباط بالمحور الإيراني لا يحمي لبنان من الهجمات والتهديدات الإسرائيلية، ويجعل البلد أيضاً أكثر انخراطاً في صراعات لا يملك قرارها، بل أُدخل فيها.
ويعكس خطاب الشيخ قاسم تبنّي منطق حرب الاستنزاف، حيث يتحوّل الصمود إلى هدف بحد ذاته. غير أن هذا النمط من الحروب، وإن كان فعّالاً عسكرياً في ما مضى، فإنه يحمل البلد وأهله راهناً خسائر بشرية هائلة وكلفة اجتماعية ـ اقتصادية.
وفي الحالة اللبنانية، حيث الدولة هشة أصلاً، قد لا يكون الزمن حليفاً كما يُفترض، بل عامل استنزاف داخلي يطال المجتمع قبل أن يطال العدو الإسرائيلي.
والسيناريو الأرجح هو استمرار التصعيد المنضبط، لكن هذا “الضبط” لا يعني استقراراً، بل إدارة دائمة للتوتر. أما التسوية، فتبدو مؤجلة، لأنها تتطلب تنازلات لا يبدو أن أي طرف مستعد لتقديمها. وهنا، يتحوّل الواقع اللبناني إلى حالة بينية: لا حرب شاملة، ولا سلم فعلي، بل تعليق دائم للحل.
لبنان بين سرديتين… ومأزق مفتوح
يمكن اختزال المشهد اللبناني في صراع بين سرديتين: سردية “المقاومة” بوصفها مصدر الشرعية على ما يقصد الشيخ نعيم، وسردية الدولة بوصفها الإطار لجميع اللبنانيين. غير أن خطاب أمين عام “الحزب” الأخير لا يسعى إلى التوفيق بينهما، بقدر ما يعمل على ترجيح إحداهما وهي “المقاومة” وإعادة تعريف الأخرى.

The post خطاب “الحزب” يُعيد تعريف لبنان؟ appeared first on Beirut News Center.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤