خطة أميركية ومبادرة محلية لجعل سوريا مركز ربط خطوط الطاقة العالمية.. وإنهاء «الابتزاز» الإيراني عبر “هرمز”
الوطن – أسرة التحرير
في ظل التحولات الجيوسياسية التي باتت تعصف بممرات الطاقة العالمية، منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، وتعطل حركة الملاحة في مضيق “هرمز” الحيوي، تسلطت الأضواء على سوريا لتحويلها إلى ممر استراتيجي يربط خطوط الطاقة بين الدول العربية النفطية ومن ثم تركيا وصولا الى أوروبا.
خطط ومبادرات..

في هذا السياق، ظهرت خطط ومبادرات، أحدثها خطة وثيقة أميركية أعدها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك وكشفت عنها مجلة “المجلة”. وتقترح وثيقة الخطة تحويل سوريا إلى محور استراتيجي لربط خطوط الطاقة بين الخليج والعراق من جهة، وتركيا وأوروبا من جهة أخرى، في ظل اضطراب الممرات البحرية مثل مضيق “هرمز” وباب المندب.
قبل ذلك، طرح مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي مبادرة استراتيجية طموحة اطلق عليها مبادرة (4+1)، تستهدف تحويل الجغرافيا السورية إلى منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.
ويأتي هذا التطور، في توقيت بالغ الحساسية، إذ تستمر ايران في التحكم في الملاحة بمضيق “هرمز”، الذي تمر عبره أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية، ما أدى الى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة والمواد الغذائية واجور النقل.
وظهور الخطة الأميركية ومبادرة (4+1)، يعكس عدة دلالات، أبرزها أن هناك جهوداً تبذل من أجل إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.
ومن شان هذه الخطط والمبادرات اذا ما ترجمت الى واقع ملموس، إنهاء عقود من الارتهان لمضيق “هرمز” وكسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» الذي تمارسه إيران والمرتبط بمرور خمس إمدادات الطاقة العالمية عبره.
تفاصيل الخطة الأميركية..
تحتل سوريا، على الرغم من تعقيداتها، مكانة استراتيجية، إذ لا يمكن تجاهل موقعها الجغرافي بعد اليوم وفق “المجلة” التي لفتت في مقالها الى أن موانئ بانياس وطرطوس تتيح التصدير المباشر إلى أوروبا، فيما تمثل سوريا المسار البري الوحيد القابل للحياة بين العراق والخليج من جهة، وتركيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
وتقترح الوثيقة الاميركية، إعادة تأهيل حقول النفط السورية العمل وفق 3 مراحل تبدأ عام 2026 وصولا إلى عام 2030. تشمل المرحلة الأولى تنفيذ أعمال صيانة منخفضة التكلفة للآبار وإصلاحات أساسية للبنية التحتية. وتستهدف رفع الإنتاج 45,000 برميل يوميا، ورفع إنتاج الغاز 25–50 في المئة عبر اتفاقيات فنية مدعومة سعوديا، بينما يحتاج أكثر من الف كم من في شمال شرق سوريا إلى استبدال كامل، وتبلغ تكلفة إعادة تأهيل المنظومة 30 مليار دولار.
أما في المرحلة الثانية (2027- 2028)، فسيجري تركيب أنظمة حقن المياه وتقنيات الرفع الاصطناعي، وتأهيل خطوط الأنابيب، وترقية مصافي حمص وبانياس، فضلا عن إطلاق مصفاة جديدة بسعة 150,000 برميل يومياً. وفي المرحلة الثالثة (2028- 2030)، سيعاد تطوير الحقول بالكامل، وتُبنى بنية الاستكشاف البحري، ويُطرح خط تصدير غاز إلى تركيا وأوروبا. قد تعود القدرة إلى 380,000 برميل يوميا أو أكثر، لكن ذلك يحتاج أمنا وحوكمة واستثمارا مستداما على مدى أكثر من 4 أعوام، حسب المخطط الأميركي.
مراحل الخطة
وتقترح الخطة الأميركية أولويات خلال 90 يوما تبدأ بمرحلة فورية تشمل تنسيقا مؤسسيا، وتخفيف القيود القانونية، وإجراء تقييمات ميدانية، وتقديم نماذج تعاقدية واضحة لجذب الاستثمارات.
وتركز المرحلة القصيرة الأجل (60 يوما) على إنشاء قنوات مصرفية موثوق بها، واعتماد التحكيم الدولي، وإطلاق تراخيص بحرية شفافة، ووضع إطار مالي واضح بدعم دولي.
أما المرحلة المتوسطة (حتى 90 يوماً) فتركز على طرح مناقصات لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوقيع شراكات لنقل التكنولوجيا، وتوفير تقييمات أمنية، وتفعيل أدوات تمويل وتأمين لدعم الاستثمارات.
الفرص الأربعة..
ويمثل مشروع إحياء خط كركوك–بانياس، الممتد من العراق عبر سوريا إلى المتوسط الفرصة الأولى حسب المخطط الأميركي. وهو يتطلب استثمارا بنحو 4.5 مليار دولار خلال 36 شهرا، بعد توقفه منذ 2003.
واتفقت بغداد ودمشق لإحيائه في آب 2025 عبر إنشاء خطين بسعة 1.5 مليون برميل يوميا، ما قد يدرّ على سوريا نحو 200 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور، مع إمكان تمديده لاحقا إلى ميناء طرابلس في لبنان.
أما الفرصة الثانية، فتتمثل بخط غاز قطر– تركيا، وهو مشروع ذو طابع جيوسياسي يربط الخليج عبر الأردن وسوريا بتركيا ثم أوروبا. وكان قد عُطّل عام 2009 تحت ضغط روسي قبل أن يعود إلى الواجهة بعد سقوط الأسد. وهو يهدف إلى نقل غاز حقل الشمال القطري إلى الأسواق الأوروبية عبر مسار “تاناب”، متجاوزا الإمدادات الروسية.
والفرصة الثالثة، تتمثل في خط غاز أذربيجان – كيليس – حلب، وهو أول ممر طاقة عامل منذ الحرب. وقد نُفّذ من كيليس في تركيا إلى حلب بطاقة تبلغ 1.2 مليار متر مكعب سنوياً، ودخل الخدمة في أغسطس/آب 2025 بموجب اتفاق مع شركة “سوكار”، ليغذي محطة حلب الحرارية بنحو 900 ميغاواط، مع إمكان مده جنوباً نحو حمص.
أما الفرصة الرابعة، فتشمل مد خط الغاز العربي، الممتد من مصر عبر الأردن وسوريا إلى تركيا، وهو مشروع إقليمي موجه نحو أوروبا، ويشكل الجزء السوري حلقة الربط البرية الأساسية على الرغم من بقائه مهملاً جزئياً، بينما تبحث تركيا سبل إحيائه لتمكين تصدير الغاز المصري والإسرائيلي إلى الأسواق الأوروبية.
ويتوقع براك انطلاق تعافٍ تدريجي لقطاع الطاقة في سوريا، يبدأ بإصلاحات محدودة في 2026، ثم يتسارع في 2027 مع استكمال دراسات جدوى خط كركوك–بانياس، ومد خط الغاز الأذربيجاني، وتحديث المصافي، وصولاً إلى إعادة بناء الخط بالكامل خلال نحو ثلاث سنوات، بالتوازي مع حسم مشروعات كبرى مثل خط قطر–تركيا واستمرار الاستكشاف البحري.
مبادرة (4+1)
أما المبادرة التي طرحها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي، وأطلق عليها اسم (4+1 ) فهي تستهدف تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.
ومن أبرز مشروعات المبادرة، إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط السعودية بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، وفق ما جاء في تصريحات منشورة لقاضي.
وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.
وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار، لكن العائد الاستراتيجي – لوجيستياً وطاقياً وغذائياً – يجعله من أعلى المشروعات مردوداً في المنطقة.
ومن ضمن مشروعات (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة ابقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينيات القرن الماضي.
ويعد هذا المشروع، وفق قاضي، صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، لأنه «عندما نوفر ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».
المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.
ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشكلات مضيق هرمز وإيران».
ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.
وتصل تكلفة تلك المشروعات إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي، وفق قاضي.
وعدّ قاضي هذه المشروعات أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، فيمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشروعات القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».
تعزيز لدور سوريا أمن الطاقة
ورأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، لـ”الوطن”، أنه يمكن لهذه المشروعات إذا تمت إحداث تغيير كبير في عمق قواعد اللعبة على الصعيد الدولي وعلى الأمن التشاركي الإقليمي والدولي وانعكاسات سياسية مهمة في الاندماج الإقليمي وتعزيز السيادة السورية، إضافة إلى الأهمية الاقتصادية الضخمة لتحقيق الازدهار عبر الربط.
فعلى الصعيد السياسي، لا يمكن لهذه المشاريع، بحسب كويفي، أن تتحقق من دون استقرار سياسي واستدامة هذا الاستقرار، وأن تسهم في الاندماج الإقليمي ما يعني انتقالاً من مرحلة “التنافس الأيديولوجي” إلى مرحلة “البراغماتية الاقتصادية”، كما ستعزز دور سوريا الجديدة كلاعب محوري في أمن الطاقة الإقليمي ويقلّص من قدرة القوى الخارجية على عزلها، ويقلل من الارتهان للضغوط الدولية، حيث تصبح مصلحة الجميع مرتبطة بسلامة هذه الأنابيب والسكك والموانىء السورية.
أما على صعيد “الأمن التشاركي” الجيوسياسي، فهي تلامس “الاعتماد المتبادل المعقّد” وتسهم في الحد من النزاعات، حيث يصبح الحفاظ على أمن تلك الحدود مصلحة أمن قومي مشتركة تفوق الخلافات الجانبية، وتوفر بيئة مناسبة لمكافحة الإرهاب من خلال الاستقرار الاقتصادي الذي توفره هذه المشاريع وبالتالي تقليص مساحات الجهل والفقر التي يتغذى عليها التطرف، إضافة إلى أن وجود هذا التكتل الطاقي (السعودية، قطر، العراق، سوريا) سيشكل كتلة تفاوضية صلبة أمام القوى الإقليمية الأخرى، وذلك وفق ما ذكر كويفي.
أما على الصعيد الدولي، فإن “تغيير قواعد اللعبة”، هو الجزء الأكثر حساسية، حيث ستتأثر موازين القوى العالمية، فأوروبا بحسب كويفي ستوازن في خياراتها بين هذه المشاريع الاستراتيجية واعتمادها على الغاز الروسي، وقد تراه روسيا منافساً لها في السوق الأوروبية، أو شريكاً في حال دخولها كمطوّر ومستثمر ضمن هذه المشاريع، في الوقت الذي يمكن أن تراه الصين جزءاً متكاملاً مع “الحزام والطريق”، في حين أن الولايات المتحدة الأميركية قد تراه داعماً لاستقرار وضمان أمن الطاقة العالمي المستدام، وخصوصاً بعد التحديات الحالية من توترات إغلاق مضيق “هرمز” .
وقال كويفي: إن “الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية سيكون لها دور فعال وإيجابي على سوريا الجديدة، حيث ستنقل هذه المشاريع دورها إلى “مركز ثقل عالمي”، ويعيد دورها التاريخي كعقدة وصل تجارية وتحصيل رسوم عبور ضخمة، وحل جذري لأزمة الطاقة المحلية ما يمهد مسار إعادة الإعمار، كما سيتيح للسعودية فرصة أكبر لريادتها في سوق الطاقة العالمي، كما ستوفر منافذ تصديرية لدولة قطر ويتيح الوصول المباشر إلى البحر المتوسط وبالتالي أوروبا، وتجنّب مضيق هرمز وباب المندب في الحالات الطارئة .
أما بالنسبة للعراق فسيسهم في تسهيل ومرونة تصدير أكبر للنفط العراقي وتقليل الاعتماد على ميناء الفاو وتحديات التصدير عبره.
كما أن مشروع خطوط السكك الحديدية وربطها بين الموانىء السورية والخليج العربي، من شأنه إيجاد بدائل لسلاسل الإمداد مع تقليل تكاليف الشحن البري وزيادة وتيرة التبادل التجاري البيني وتوفير فرص عمل كبيرة وجديدة، وباعتقادي، فإن إضافة مشروع بناء ميناء سوري جديد بين مدينتي جبلة وبانياس (منطقة مناسبة طبوغرافياً وفنياً) إلى هذه المشاريع، ويكون مخصصاً للاستثمار الأمثل لحزمة تلك المشاريع، من شأنه رفع الجدوى الاقتصادية المشتركة والاستفادة القصوى منها.
ترجمة عملية
وفيما يبدو، أنه ترجمة عملية، للانعتاق من الابتزاز الإيراني، بدأت بغداد رسمياً في بداية نيسان الجاري، تصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، في مسعى لتجاوز حالة الشلل التي ضربت ممرات التجارة البحرية التقليدية.
وتعكس خطوة بغداد تحولاً استراتيجياً في مسارات الطاقة الإقليمية، وعودة سوريا لتكون بوصلة العبور ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة العالمية، الأمر الذي من شأنه تعزيز المصالح الوطنية ودفع عجلة التكامل الاقتصادي العربي إلى آفاق أوسع.





