وإذا صمد وقف إطلاق النار، فسيشكل ذلك انتكاسة كبيرة لترمب وللولايات المتحدة بالفعل. فمن المرجح أن يعاقب الناخبون الأميركيون الجمهوريين بقيادة ترمب في انتخابات التجديد النصفي إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة وبقي التضخم ملموسا. وأي خسارة لاحقة في الكونغرس أو مجلس الشيوخ في نوفمبر/تشرين الثاني ستنعكس على أجندته الداخلية. بل إن جزءا من قاعدته المحافظة المؤيدة لشعار "لنجعل أميركا عظيمة مجددا"، التي تعارض بشدة الحروب الخارجية، والتي أصابها الذهول من انتقاده البابا ومن الصور المتحركة التي ظهر فيها مرتديا زي السيد المسيح وانتشرت أخيرا، قد ينقلب عليه. أما على الصعيد الدولي، وكما كان الحال في فيتنام وحرب العراق عام 2003، فقد كشف صراع ترمب حدود القوة الأميركية وعجزها عن ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية إيجابية. وكما حدث بعد عام 2003، من شأن ذلك أن يشجع خصوم الولايات المتحدة الجيوسياسيين، وحتى بعض حلفائها، على التحلي بجرأة أكبر في تحدي رغباتها، في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى.

أما إذا لم يصمد وقف إطلاق النار وتجدد الصراع، فستتفاقم هذه المشكلات بلا شك، ما لم ينهَر النظام الإيراني على نحو غير متوقع. وقد تضطر الولايات المتحدة إلى التورط أكثر في الصراع، بما يعرضها لخطر الغرق في مستنقع يصعب الخروج منه. ولن يقود ذلك إلا إلى تصاعد المعارضة الداخلية لترمب، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي صعوبات جمة، بما قد يجبره على التراجع على نحو أشد إذلالا.
الأضرار بعيدة المدى
حفزت الحرب أيضا، أو كشفت، توترات قائمة قد تضعف الولايات المتحدة على المدى البعيد. ففي الشرق الأوسط، باتت العلاقة الأمنية مع واشنطن موضع تساؤل جدي للمرة الأولى منذ عقود. إذ يشعر كثير من الحلفاء بالغضب من ترمب لأنه زج بهم في حرب غير مبررة، ويعتريهم الإحباط لأنه، ما إن اندلعت تلك الحرب، حتى عجز عن تغيير النظام، وترك في مكانه نظاما جريحا وغاضبا. ومع إظهار إيران استعدادها لضرب معظم جيرانها في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتهم بها، تجد غالبية الحكومات، ولا سيما في الخليج، نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية. وقليلون من سيفكرون في قطع العلاقات الأمنية مع واشنطن، وقد يعمد كثيرون إلى زيادة مشترياتهم من الأسلحة الأميركية على المدى المتوسط. إلا أن ذلك قد يترافق مع تنويع أكبر للشركاء الأمنيين. وبالفعل، أعربت دول خليجية عدة عن انفتاحها على زيادة الوجود العسكري الأوروبي. وربما يستكشف بعضها أيضا مزيدا من التعاون مع الصين، متسائلا عما إذا كانت استضافة قاعدة صينية صغيرة إلى جانب القاعدة الأميركية، كما هي الحال في جيبوتي، من شأنها أن تردع الهجمات الإيرانية المقبلة.

وثمة توتر آخر اشتد داخل التحالف عبر الأطلسي. فقد أدى إحجام الحلفاء الأوروبيين عن تأييد الحملة ضد إيران، وتقديم المساعدة عند طلبها، إلى سيل من الإهانات وجهها ترمب. واستهدف على وجه الخصوص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، على الرغم من علاقاتهم الودية الحديثة العهد مع الرئيس الأميركي. وقد تكون هذه الإهانات أكثر من مجرد شتائم. فحتى قبل الحرب، كانت العلاقات متوترة بعدما عارضت القوى الأوروبية علنا مخططات ترمب بشأن غرينلاند. ولطالما شكك ترمب في جدوى حلف "الناتو"، ويبدو أن رفض الحلف الانضمام إلى حربه قد سرع هذه النزعة. وحذر ترمب الحكومات الأوروبية في منشور له بتاريخ 31 مارس/آذار قائلا: "لن تكون الولايات المتحدة موجودة لمساعدتكم بعد الآن"، وهو تهديد أخذ بجدية بالغة، ودفع الأمين العام لحلف "الناتو"، مارك روته، إلى زيارة واشنطن بعد أسبوع في محاولة فاشلة لتغيير رأي الرئيس. وعلى الرغم من أن هذه التوترات قد تهدأ مع مرور الوقت، فإن مجلة "الإيكونوميست" حذرت أخيرا من أن الحرب ربما تكون قد "دفعت حلف (الناتو) إلى نقطة اللاعودة أكثر من أي وقت مضى". ونتيجة لذلك، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم مضطرين، رغم أملهم في أن يعود ترمب أو خليفته إلى نهج العلاقات عبر الأطلسي، إلى التفكير مليا وعلى وجه السرعة في مستقبل ما بعد الولايات المتحدة. ومن شأن هذه النتيجة أن تقسم الغرب، بما يجعل أوروبا والولايات المتحدة أضعف على الصعيد العالمي.
انتصار صيني؟
وهذا يسلط الضوء على نتيجة سلبية أخرى للصراع بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ وفر مزايا جمة لمنافسي واشنطن العالميين. فبهدف التخفيف من حدة ارتفاع أسعار النفط العالمية، نالت روسيا تخفيفا مؤقتا للعقوبات، أتاح لها بيع جزء من إمداداتها، وأدى بالتالي إلى زيادة الإيرادات الحيوية لموسكو. وقد يدفع غضب ترمب من حلفائه في "الناتو"، وانشغاله في الخليج، فلاديمير بوتين إلى رفع سقف آماله في أن يفقد البيت الأبيض اهتمامه بالحرب الأوكرانية، أو أن يضغط على كييف لتقبل اتفاقا يصب في مصلحة روسيا. إلا أن هذه المكاسب، في معظمها، قصيرة الأجل، على الأقل في الوقت الراهن.












