خمسة مزارعين في غزة يكافون لمواجهة الغلاء ونقص الغذاء والاحتكار

المركز الفلسطيني للإعلام
يُطلق المزارع الفلسطيني أحمد خضير مبادرة زراعية في شمال قطاع غزة، محاولًا استعادة نبض الأرض ومواجهة الغلاء المتصاعد، بعد أن دمّرت حرب الإبادة الإسرائيلية 100 دونم من أراضيه في بلدة بيت لاهيا، وحرمته من الوصول إليها مع استمرار سيطرة جيش الاحتلال عليها.
ويبدأ خضير، رغم الخسارة الفادحة، زراعة بذور الخيار وأشتال الطماطم على أمل أن تمنحه الأسابيع المقبلة محصولًا يعيد شيئًا من الحياة، في ظل شحّ الموارد وتقييد الاحتلال إدخال المساعدات والمواد الأساسية.
وكانت الحرب قد أبادت كامل المساحة الزراعية التي يملكها خضير، والبالغة 100 دونم، في بيت لاهيا شمالي القطاع، في حين لا يزال عاجزًا عن الوصول إليها بسبب وقوعها ضمن مناطق يسيطر عليها الاحتلال.
وفي محاولة لإحياء الإنتاج المحلي، أطلق خضير مبادرة لزراعة 10 دونمات في منطقة “التوام”، وسط انهيار شبه كامل للقطاع الزراعي بفعل الحرب.
ويقول خضير إن هذه المبادرة “تأتي في ظل اعتماد شبه كامل لسكان القطاع على استيراد الخضروات، نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وانعدام القدرة على الإنتاج المحلي”، مضيفًا: “نسعى لإيجاد بارقة أمل تعيد الزراعة إلى غزة، وتوفير الخضروات بأسعار مقبولة للناس”.
الأرض أمل يُزرع من جديد
قبل الحرب، كان خضير يزرع الفراولة وأنواعًا متعددة من الخضروات، لكن الإبادة الإسرائيلية غيّرت كل شيء. يقول: “توقفنا عن الزراعة بالكامل، وجُرّفت أراضينا كما معظم أراضي شمال القطاع، وأصبحت غير صالحة للزراعة، فضلًا عن وقوعها خلف ما يسمى بالخط الأصفر الذي ما زال تحت سيطرة ايش الاحتلال”.
ويُعرف “الخط الأصفر” بأنه خط وهمي انسحب إليه جيش الاحتلال داخل غزة ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار، ويفصل بين مناطق سيطرته الكاملة شرقًا، التي تُقدّر بنحو 53% من مساحة القطاع، والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها غربًا.
ويضيف خضير أن هذا الواقع دفعه إلى التفكير بإطلاق مبادرة تعيد الحياة إلى الأرض، ولو بشكل جزئي، قائلًا: “قررنا البدء من جديد رغم كل الصعوبات”.
الأسعار والاحتكار
تعتمد مبادرة خضير على استئجار أرض بمساحة 10 دونمات، بالشراكة مع خمسة من إخوته وصديق لهم، حيث بدأوا بزراعة الخيار والطماطم والباذنجان، إلى جانب أي بذور أو أشتال متوفرة.
ويشير إلى أن الدافع الأساسي وراء المبادرة هو الحاجة والبطالة، التي يعاني منها هو وشركاؤه منذ بداية الحرب، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار الخضروات.
ويقول: “الناس اليوم بالكاد يستطيعون شراء الخضار، وإذا نجحت مثل هذه المبادرات وتكررت، ستنخفض الأسعار بشكل طبيعي”.
ويعتمد سكان غزة بشكل شبه كامل على استيراد الخضروات عبر المعابر التي تتحكم بها إسرائيل، والتي تنتهج سياسة التقطير في إدخال المواد الغذائية والأساسية.
تكاليف باهظة وموارد شحيحة
رغم بساطة الفكرة، تواجه المبادرة تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد. ويوضح خضير أن “تكاليف الزراعة اليوم باهظة جدًا؛ من وقود لتشغيل آبار المياه، إلى الأسمدة والمبيدات والبذور، وكذلك أدوات الحرث والريّ”.
ويبيّن أن الحصول على البذور أصبح مهمة شاقة، قائلًا: “نشتري البذور بصعوبة وبأسعار مرتفعة جدًا، فبذرة الخيار الواحدة لا تتوفر بأقل من 3 شواقل (نحو دولار واحد)، بزيادة تعادل 10 أضعاف سعرها قبل الحرب”.
كما يعاني المزارعون من تدني جودة البذور أحيانًا، نتيجة قدمها وتعطل سلاسل التوريد خلال الحرب.
ويوجه خضير نداءً إلى المؤسسات المحلية والدولية لدعم المبادرات الزراعية، قائلًا: “نحتاج إلى دعم حقيقي، سواء بتوفير الوقود أو الأسمدة أو المعدات اللازمة للزراعة والريّ؛ حتى نتمكن من الاستمرار”.
ويؤكد أن نجاح هذه المبادرات “لا يقتصر على تحسين دخل المزارعين، بل يساهم أيضًا في استعادة جزء من الأمن الغذائي في غزة”.
قطاع زراعي على حافة الانهيار
تشير بيانات رسمية إلى أن إجمالي الأراضي الزراعية في قطاع غزة يبلغ نحو 180 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، إلا أن معظمها يقع حاليًا في مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال.
وفي هذا السياق، يقول مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة بغزة، لؤي رجب، إن المساحات المزروعة حاليًا لا تتجاوز 5% من إجمالي الأراضي الزراعية، في ظل الدمار الواسع الذي طال هذا القطاع الحيوي.
ويضيف أن نحو 87% من الأراضي الزراعية جُرّفت أو تضررت خلال حرب الإبادة، فيما لا يزال نحو 62% منها تحت سيطرة الاحتلال.
ويلفت إلى أن مناطق كانت تُعد من أهم الرقع الزراعية، مثل المواصي جنوب القطاع، تحولت إلى مناطق مكتظة بالنازحين.
ويتابع رجب: “قبل الإبادة، كان القطاع الزراعي في غزة يحقق اكتفاءً ذاتيًا في مختلف أصناف الخضروات، بل ويصدر يوميًا نحو 300 طن، ما وفر دخلًا يوميًا يُقدّر بمليون شيكل للمزارعين، أما اليوم، فقد بات معظم السكان يعتمدون على الخضروات المستوردة مرتفعة الثمن”.
كما أشار إلى أن نحو 55 ألف شخص كانوا يعملون في القطاع الزراعي، يعيش معظمهم اليوم ظروف نزوح صعبة بعد فقدان مصادر رزقهم.
بين الخطر والأمل
ورغم المخاطر الأمنية المستمرة، بما في ذلك إطلاق النار والقذائف شبه اليومية من جيش الاحتلال، يواصل خضير وشركاؤه العمل في الأرض. ويقول: “نحن نعمل في ظروف خطيرة، لكننا مضطرون إلى الاستمرار وتحدي الواقع”.
ويـأمل المزارعون الخمسة أن تنجح المبادرة، كما يأملون أن ينسحب جيش الاحتلال إلى ما وراء “الخط الأصفر” حتى يتمكنوا من العودة إلى أراضيهم وإعادة إعمارها، ويختم رجب “نحن نتوكل على الله ونأمل التوفيق”.
وفي ظل هذا الواقع الصعب، تبقى المبادرات الفردية مثل مبادرة أحمد خضير بارقة أمل صغيرة، لكنها تحمل في طياتها إمكانية إحياء قطاع زراعي كان يومًا شريانًا مركزيًا للحياة والرزق في قطاع غزة.



