خليل الوزير وعبد العزيز الرنتيسي.. ذاكرة متجددة في النضال الفلسطيني

المركز الفلسطيني للإعلام
يتقاطع الزمن الفلسطيني في منتصف نيسان/أبريل عند لحظة كثيفة الدلالة، حيث لا تبدو تواريخ 16 و17 من الشهر مجرد محطات عابرة في الذاكرة الوطنية، بل تتكثف فيهما سيرة قائدين بارزين: خليل الوزير وعبد العزيز الرنتيسي، اختلفا في الانتماء واتفقا على فكرة المقاومة المسلحة طريقاً وحيداً لمواجهة الاحتلال، ودفعا الثمن عن رضى وإيمان.
ذكرى اغتيال القائدين تـأتي متقاطعة مع ذكرى يوم الأسير الفلسطيني بما يضيف بعداً إضافياً يتجاوز حدود التضامن مع الأسرى إلى استحضار كلفة الطريق الذي سلكه الفلسطينيون قيادة وجندًا وشعبنا على طريق التحرير.
تتابع زمني يروي سردية متكاملة
لم تكن مصادفة أن يتجاور تاريخ اغتيال الوزير في السادس عشر من أبريل/نيسان 1988، مع استشهاد الرنتيسي بعد ستة عشر عاماً في اليوم ذاته من عام 2004، وأن تتعانق هذه الذكرى مع يوم الأسير في السابع عشر من الشهر نفسه، وتأتي هذا العام في ظل واقع تتقاطر فيه التضحيات بعد 30 شهرًا من الإبادة التي قدم فيها الشعب الفلسطيني أكثر من 72 ألف شهيد منهم عشرات القادة والنخب.
يصوغ هذا التتابع الزمني سردية متكاملة: من القائد المؤسس الذي صاغ البدايات، إلى القائد الذي حمل الراية في زمن الانتفاضات والحصار، وصولاً إلى آلاف الأسرى الذين يدفعون ثمن الانخراط في هذا المسار حتى اليوم، إلى رجال الله الذين ذاقوا المحتل البأس الشديد، إلى الصامدين في غزة والضفة والشتات يتوقون إلى لحظة الحرية والتحرير.
المقاومة المسلحة ركيزة أساسية
ولد الوزير عام 1935، فيما ولد الرنتيسي عام 1948، وكلاهما خرج من رحم النكبة إلى قطاع غزة، حيث تشكل وعيهما السياسي في بيئة اللجوء والاقتلاع. هناك، تداخلت التربية التنظيمية مع التجربة الميدانية، فكان الوزير من أوائل من انخرطوا في العمل الطلابي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين قبل أن يساهم في تأسيس حركة فتح، بينما برز الرنتيسي لاحقاً كأحد قادة الإخوان في غزة، ثم من المؤسسين لـحركة حماس عام 1987، في لحظة مفصلية تزامنت مع اندلاع الانتفاضة الأولى.
هذا التوازي في المسار لم يكن شكلياً، بل عكس بنية أعمق في التجربة الفلسطينية، حيث تلاقت مدارس تنظيمية مختلفة على قناعة مركزية: أن المقاومة المسلحة تشكل ركيزة أساسية في مواجهة الاحتلال. هكذا، أصبح الوزير رمزاً وطنياً عابراً للفصائل، فيما غدا الرنتيسي أحد أبرز وجوه القيادة في حماس، دون أن يلغي ذلك الاشتراك في المعنى العام للنضال.
الاعتقال والإبعاد
في مسار الاعتقال والإبعاد، تتجلى قسوة التجربة الفلسطينية بأوجهها المتعددة. اعتقل الوزير عام 1954 على يد السلطات المصرية، ثم أبعد عن غزة بسبب نشاطه الفدائي، فيما أمضى الرنتيسي سنوات في سجون الاحتلال، وتعرض للاعتقال من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية، في مفارقة تعكس تعقيدات المشهد الداخلي.
بين السجن والمنفى، تكرست صورة القائد الذي يدفع كلفة موقفه، لا بوصفه رمزاً فقط، بل كجزء من معاناة جماعية يعيشها آلاف الأسرى الذين يُستحضرون كل عام في يومهم.
طريق الشهادة
أما على طريق الشهادة، فقد تشابهت النهايات كما تشابهت البدايات. تعرّض الرجلان لمحاولات اغتيال متكررة، قبل أن تنجح عملية نفذتها وحدة تابعة لـالموساد في اغتيال الوزير في تونس عام 1988، فيما استهدفت طائرات الاحتلال الرنتيسي في غزة عام 2004، بعد أقل من شهر على توليه قيادة حماس عقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين.
في الحالتين، كان القرار الإسرائيلي واضحاً في استهداف الصف الأول من القيادة، في محاولة لكسر البنية المعنوية والتنظيمية للمقاومة.
غير أن المشهد الفلسطيني اليوم، بعد 30 شهرًا من الإبادة الجماعية في قطاع غزة واتساع رقعة التضحيات، يعيد إنتاج الدلالة ذاتها: غياب القادة لم ينه الفعل، بل أعاد توزيعه على مستويات متعددة. من القيادات الميدانية إلى النخب السياسية، ومن الأسرى في السجون إلى المدنيين تحت الحصار، تتجسد حالة من التلاحم تتجاوز الانتماءات التنظيمية، وتعيد تعريف القيادة بوصفها حالة جمعية لا تقتصر على الصف الأول.
في هذا السياق، تغدو ذكرى الوزير والرنتيسي أكثر من استعادة لسيرتين؛ إنها مرآة لواقع مستمر، حيث تتقاطع دماء القادة مع معاناة الأسرى، وتتجاور الذاكرة مع الحاضر.
وبين 16 و17 أبريل، لا يحيي الفلسطينيون ذكرى رحيل قادتهم فحسب، بل يجددون سردية كاملة عنوانها أن الكلفة مستمرة، وأن التضحيات، على اختلاف مستوياتها، ما تزال تشكل القاسم المشترك في مواجهة الاحتلال.

