كثير من القراء يقولون لي إنهم لا يستطيعون الإفلات من هذا الكتاب، فهم بدورهم يقعون في شباك هذا الكلام المختل والمنفلت، هذه الثرثرة العائلية الحميمة التي تمضي بلا توقف، حتى تغدو المعاودة آلية قائمة بذاتها. ثمة شيء من السلطة التي تمارسها هذه اللغة على الآخر، ولكن أيضا من خلال الأدب، ثمة رغبة في الانفصال عنها، في التخلص منها، وفي مواجهتها وجها لوجه.

كيف تقررين، من رواية إلى أخرى، الشكل الأصدق للصوت الذي تريدين التقاطه، إلى حد أن تختاري أحيانا المونولوغ، وأحيانا تعدد الأصوات، وأحيانا سردا محكما ومقتضبا؟
أظن أنني في كل نص أحاول العثور على الجهاز الأنسب له، على الصيغة السردية التي تكون أقدر على حمل ما أريد قوله. غير أن الأمرين يتغذى أحدهما من الآخر، فما إن أعثر على هذا الجهاز حتى تمضي الكتابة بيسر أكبر، وتأتي اللغة نفسها لتؤكد لي إمساكي بشيء صحيح.
لعل هذا هو أصعب ما في العمل، وهو أيضا ما يجعلني أبقى أحيانا سنوات مع فكرة نص من غير أن تتجسد، لأنني لم أجد بعد الشكل الذي يسمح لها بالتعبير عن نفسها، ولا الإطار الملائم لإسماع صوت أو جوقة من الأصوات أو صمت، ولتبيان الموضع الذي يمكن أن يعلق فيه هذا كله ويؤثر.
حين أعثر على الأمرين معا، يكون الجزء الأشد عسرا من العمل قد أنجز، سواء تعلق الأمر بصيغة روائية أقرب إلى البناء الكلاسيكي كما "لدي ما أقوله لك"، أم بصيغة أكثر فرادة كما في "مكالمة فائتة"، حيث يقوم الجهاز السردي كله على رسائل هاتفية أو على شذرات من محادثات عبر الهاتف.
المونتاج
أين تتدخل يد الكاتبة لتنحت الجملة، وأين تتركين العثرة والتكرار والإلحاح تحمل الحقيقة النفسية بما فيها من قدر من عدم الارتياح؟
إنه عمل يقوم على المونتاج والتركيب بدءا من مستوى الشذرات نفسها: كيف ستنتظم كل شذرة في علاقة وصل أو قطيعة مع الرسالة السابقة، وما الأثر الذي يحدثه القطع. ثم ينبغي لهذه الشذرة أن تستقيم من أولها إلى آخرها، لذلك أشتغل على نبرتها وصوغها وإيقاعها من خلال علامات الترقيم والصمت. كل شيء ينطلق من جمل شديدة البساطة وشديدة القوة، من عبارات خاطفة ظللت أجمعها على مدى يقارب عشر سنوات، ثم عدت بعد ذلك إلى مونتاجها، وإزاحتها من موضع إلى آخر وتوسيعها. في أساس "مكالمة فائتة" كما في "امرأة على الهاتف"، ثمة ما يشبه الـ ready-made: جمل دونتها على امتداد سنوات، أبقي فيها أحيانا التعثر والتكرار والإلحاح، ثم أعيد جمعها داخل بناء درامي.

تبدو أعمالك قصيرة الحجم لكنها مشدودة الكثافة. هل تنبع هذه الكثافة أولا من اقتصاد في اللغة، أم من توتر الموقف نفسه، أم من هندسة بنائية شديدة الإحكام؟ حين يفرض الإيجاز نفسه، ما الذي تضحين به أولا: الشرح، أم الخلفيات، أم المشاهد، قبل أن تشعري بتماسك النص وكماله وتوازنه؟
أثق بذكاء القارئ وبقدرته على ملء الفراغات، والتقاط ما يسكت عنه، والاصغاء إلى ما يطفو من تحت الطلب أو المعاودة. أشعر أن النص قد استقام حين تصبح إضافة جمل جديدة سببا في إثقاله، وحين تبدأ الشروح في الحلول محل التوتر.









