قانون الضمان الاجتماعي ومستقبل التقاعد في الأردن: إلى أين تأخذنا التعديلات؟
منذ أن وافق مجلس الوزراء قبل يومين على الأسباب الموجبة لمشروع قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026، والحديث في الشارع الأردني يكاد ينحصر في قضية واحدة، هي رفع سن التقاعد.
رفع التعديل المقترح سن التقاعد الوجوبي أو تقاعد الشيخوخة إلى 65 بدلًا من 60 للذكور، و60 بدلًا من 55 للإناث، بحيث يجري التدرج في الرفع بواقع ستة أشهر سنويًا على مدى 10 سنوات بدءًا من العام المقبل. ورغم أن مشروع التعديل ألغى شرط السن للتقاعد المبكر، إلا أنه رفع عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاقه إلى ما يعادل 30 سنة عمل، وهو ما يمثل زيادة بمقدار 9 سنوات للذكور و11 سنة للإناث مقارنة بالاشتراطات السابقة لعدد الاشتراكات. مع استثناء من يستوفي شروط التقاعد المبكر أو الوجوبي قبل نهاية العام الحالي، واستثناء المشتركين العسكريين من التعديل ككل.
ومع نشر مسودة القانون في ديوان التشريع والرأي صباح اليوم، يسير التعديل في آلية إقراره، متجهًا إلى مجلس الأمة حيث تثار الأسئلة حول احتمالية إدخال مجلس النواب تعديلات ملموسة عليه.
لفهم خلفية هذا التعديل الذي فاجأ الكثير من مشتركي الضمان الاجتماعي، وآثاره المحتملة على الفئات المختلفة من المشتركين وعلى استدامة مؤسسة الضمان، حاورنا الدكتور محمد الزعبي، الطبيب والسياسي والنقابي والباحث في التأمينات الاجتماعية، ومؤلف كتابي «الضمان الاجتماعي: حماية المسنين بين اقتصاد السوق الحر والعدالة الاجتماعية، الأردن نموذجًا» و«إصابات العمل في الأردن».
إذا بدأنا بالصورة العامة، من أين أتى مشروع التعديل الحالي على قانون الضمان الاجتماعي برأيك، وكيف تراه بالمقارنة مع تعديلات سابقة؟ هل كان مفاجئًا أو جذريًا أكثر من تلك التعديلات؟
يأتي هذا التعديل في إطار توجه قديم لإجراء تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي بهدف رفع سن التقاعد، عبر وضع شروط تعجيزية على التقاعد المبكر ورفع سن تقاعد الشيخوخة، مما يضطر الناس للبقاء في العمل أو البحث عن عمل حتى لو بأجور منخفضة. وهو ما سيؤدي لخفض الأجور ككل ورفع العمالة، وبالتالي زيادة الاستثمارات. هذا هو الاتجاه الذي كان التيار النيوليبرالي والبنك الدولي يدفع نحوه منذ سنوات، لكنه واجه مقاومة من البيروقراطيين الذين يريدون المحافظة على مكتسباتهم من الضمان الاجتماعي. بالتالي، أتت هذه التعديلات كاتفاق بين هذين التيارين. كل التعديلات التي جرت على قانون الضمان الاجتماعي في أعوام 2009 و2014 و2019 والآن مع هذا المشروع، كانت مكملة لبعضها البعض وأتت في الإطار نفسه.
الاستثناء الوحيد كان إقرار القانون الدائم سنة 2000 و2001، الذي رفع قيمة الرواتب التقاعدية بنسبة 25%، بعدما كانت تحتسب على أساس 2% عن كل سنة وأصبحت 2.5%. وهو ما استفاد منه موظفو القطاع العام برفع رواتبهم التقاعدية، في ظل كونهم محميين من البطالة لحد كبير، بحيث أصبح المتقاعدون منهم على الضمان الاجتماعي في وضع أفضل مما كان عليه التقاعد المدني والعسكري. لكن هذا التعديل في الوقت نفسه حمّل العبء للطبقات الأخرى، وللقطاع الخاص المشترك في الضمان الاجتماعي، وأثّر على المركز المالي للضمان، وهو ما بينته الدراسات الاكتوارية، وهذا ما حاولت التعديلات اللاحقة أن تحد منه.
إذا تناولنا مسألة التقاعد المبكر، سيرفع التعديل المقترح شرطَ عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد المبكر من 252 اشتراكًا للذكر و228 اشتراكًا للأنثى، إلى 360 اشتراكًا للجنسين بعض النظر عن العمر. كيف سينعكس ذلك على المشتركين؟
أولًا، موظفو القطاع العام لن يتأثروا بقدر القطاع الخاص، لأنهم يتمتعون بالأمان الوظيفي لحد كبير، وتأخر تقاعدهم سيرفع الراتب التقاعدي بعض الشيء. وكثير منهم كانوا يشكون من الإحالات على التقاعد المبكر لأنهم كانوا يتقاعدون على رواتب متدنية. وفكرة التقاعد براتب متدنٍ أو مقبول والبحث عن عمل جانبي ليست جذابة، لأنه وبالنسبة لموظف القطاع العام، تبقى ديمومة العمل أفضل في ظل البطالة الموجودة في الخارج. وميزة إيجاد عمل بسهولة بعد التقاعد محصورة في الفئات العليا من موظفي القطاع العام، الذين يجدون وظائف بسهولة في مجالس إدارة شركات وغيره، بل بالعكس، سيكون التقاعد في مصلحتهم. لكن صغار موظفي القطاع العام لا يجدون عملًا بسهولة، أو يجدون وظائف برواتب متدنية كثيرًا. لذا، فالأفضل لكثير منهم أن يبقوا في وظائفهم العامة.
لكن المشكلة تكمن في عمال المنشآت الصغيرة في القطاع الخاص الذين لا يحظون بأمان وظيفي، وقد ينقطعون عن العمل لفترات طويلة. هؤلاء من الصعب جدًا أن يوفروا 360 اشتراكًا للتقاعد المبكر، أي 30 سنة عمل. من شبه المستحيل على كثير من العمال في الأردن أن يجمعوا هذا العدد من سنوات العمل، لأنهم يعملون لفترات وينقطعون لفترات، وسيجدون أنفسهم بعمر الـ50 أو الـ55 عامًا من دون اشتراكات كافية، وبنفس الوقت ما زالوا بحاجة للعمل. بالتالي، سيلجأون لتعويض الدفعة الواحدة، وهذا قد يكون أخطر ما في مشروع التعديل.
سيسمح التعديل للمشترك الأردني بسحب اشتراكاته إذا لم يستوفِ شروط أي شكل من أشكال التقاعد. وبالتالي أي عامل عمره 55 سنة مثلًا وليست عنده الاشتراكات الكافية، يمكن أن يلجأ لتعويض الدفعة الواحدة. أساسًا، يلجأ الكثيرون حاليًا لهذا التعويض من باب العجز والمرض، إضافة لكثير من النساء والعمال الأجانب. بالتالي، ستزيد نسبة مشتركي الضمان الاجتماعي الذين لن يحصلوا على راتب تقاعدي، وهي أصلًا نسبة عالية تصل إلى ثلاثة أرباع مشتركي الضمان تاريخيًا.
هذا هو التغيير الذي سيوفر الكمّ الأكبر من الأموال للضمان، لأن تعويض الدفعة الواحدة يعطي المشترك حوالي ربع مستحقاته وعوائد استثماره، فيما تبقى الثلاثة أرباع الأخرى لمؤسسة الضمان، مما يمكن أن يُحسّن وضعها المالي.
في سياق التقاعد المبكر أيضًا، أثير نقاش واسع حول الاختلاف بين مشروع التعديل الحالي والتعديلات السابقة بإلغاء التدرج والاستثناءات وتعميم التعديل على الجميع تقريبًا بأثر رجعي، باستثناء وحيد هو من تبقى له على التقاعد المبكر 10 أشهر أو أقل. كيف تفسر هذا الاختلاف؟
هناك مبالغة في التعديلات هذه المرة من قبل القائمين على هذا المشروع. فإضافة لضغط النيوليبراليين والبيروقراط كما سبق ذكره، شعرت إدارة مؤسسة الضمان بالخطر على المركز المالي للمؤسسة إثرَ ما بينه التقرير الاكتواري.
من جهة أخرى، يبدو أن الحكومة مارست ضغطًا على الضمان باتجاه التعديل بالنظر لعجوزاتها المالية المستمرة، ولرغبتها في أن يبقى الضمان جهة تموّل الحكومة وليس العكس. ديون الحكومة لصالح الضمان بلغت حوالي 10 مليارات، أي 60% من موجودات صندوق استثمار الضمان. والتقرير الاكتواري الأخير دق ناقوس الخطر بأن الحكومة لا تستطيع الاقتراض من الضمان أكثر، وأن المؤسسة لن تستطيع ضخ أموال في الصندوق بعد عام 2030، والأموال التي ستدخل إليه بعدها ستتمثل فقط في العوائد الاستثمارية. بالتالي، وصل اقتراض الحكومة من الضمان حده الأقصى.
مشكلتنا هي أن الميزانية الحكومية تشهد عجزًا كبيرًا، لذا تلجأ للاقتراض والمنح والضرائب. وبدل أن يكون الضمان برنامجًا للحماية الاجتماعية، رأت الحكومة فيه مصدرًا للاقتراض. وهذا خلق خللًا كبيرًا جدًا في مفهوم الحماية الاجتماعية في الأردن. والحكومة تتفق في هذه النظرة مع البنك الدولي، من حيث عدم إيلاء الضمان الاجتماعي أهمية كبيرة، واعتبار أن هناك برامج أخرى متاحة لهذا الغرض، مثل صندوق المعونة الوطنية، الذي كان من المفترض أن تقل مساهمته في الحماية الاجتماعية مع وجود الضمان الاجتماعي، لكن للأسف حصل العكس.
من جهة ثانية، تشكو الحكومة باستمرار من أن هناك بطالة واسعة بين الأردنيين، ومع ذلك لا يوجد قبول بالأجور المنخفضة. ستجبر هذه التعديلات الأردنيين، وتحديدًا الفقراء منهم، على العمل لسنوات أطول بأجور منخفضة، لأنهم باتوا أبعد عن التقاعد المبكر وليس أمامهم من خيار سوى الاستمرار بالعمل.
إضافة لذلك، هناك الضجة الكبيرة التي أثيرت من جهة البيروقراط حول الإحالات إلى التقاعد المبكر من الحكومة في السنوات الماضية [وهذا التعديل عمليًا ينهي الإحالة على التقاعد المبكر]. أما النيوليبراليون، فيريدون تقليص دور الضمان الاجتماعي عبر رفع سن التقاعد المبكر لأنه سيؤدي لتخفيض الأجور وبالتالي خلق فرص استثمار أفضل، وليس فرص عمل أفضل.
بالتالي، هذا التعديل نال رضا جميع الأطراف، من الحكومة، إلى البيروقراط، إلى الضمان، إلى البنك الدولي، إلى النيوليبراليين، كلٌ لأسبابه الخاصة.
ماذا عن وجهة نظر المشتركين، تحديدًا المشتركين الجدد؟ هناك من يرى أن هذا التعديل يمكن أن يؤثر على ثقة المجتمع الأردني ككل بمؤسسة الضمان، خاصة في ظل احتمالية تعديل القانون مرة أخرى في المستقبل. كيف ترى هذه النقطة؟
الشباب أو المشتركون الجدد عادةً ليس لديهم الوعي التأميني أو القناعة بالاحتفاظ بقرشهم الأبيض ليومهم الأسود، لأن هذا اليوم يبدو بعيدًا. ونحن لسنا استثناءً في ذلك؛ هذا ما يحدث في كل العالم. المفروض أن تلعب النقابات والأحزاب دورًا في هذه المسألة بنشر الوعي بين الشباب أولًا، والدفاع عن مصالحهم ثانيًا، لكن في بلدنا للأسف ليست هناك جهات تؤدي هذه الوظيفة.
هذا ما واجهته أثناء نقاشي مع كثير من المشتركين الذين كانوا يرغبون بالحصول على تعويض الدفعة الواحدة. ما يهمهم هو اليوم، وتغطية احتياجاتهم اليوم، ليس ما يمكن أن يحدث معهم بعد 30 أو 40 سنة، رغم أن المآسي يمكن أن تصيب الجميع، ولا أحد مستثنى من المرض والوفاة ومخاطر الحياة المختلفة.
للأسف، التعديلات المتتالية لقانون الضمان الاجتماعي أضرت أساسًا بالشباب. فالتعديلات السابقة كانت دائمًا تستثني كبار السن أو من يقترب من التقاعد، وتستهدف الشباب بالدرجة الأولى. بل إن مشروع التعديل الأخير يسمح لبعض الشركات التي توظف أقل من خمسة عمال باستثناء صغار السن [لمدة سنة] من تأمين الشيخوخة والاكتفاء بتأمينات إصابات العمل والأمومة والتعطل. وهذا سيقلل فرص الشباب بجمع 30 سنة عمل للحصول على تقاعد مبكر أو 25 سنة للتقاعد العادي، وهو ما سيدفعهم باتجاه تعويض الدفعة الواحدة.
هناك فئة أخرى تثار حولها أسئلة كثيرة هي فئة المشتركين اختياريًا. كثيرون منهم قالوا إن دافعيتهم للاستمرار في الضمان قلّت، تحديدًا مَن ليس لديه عدد اشتراكات كبير. كيف ترى هذه المسألة، خاصة بالنظر إلى أن الضمان سعى في الماضي لتشجيعهم على الاشتراك؟
أولًا الاشتراك الاختياري هو الاستثناء؛ المفروض أن يكون الضمان إجباريًا. لكنه كان ميزة جيدة للقادرين، فلا أحد يستطيع دفع النسبة المزدوجة للاشتراك الاختياري البالغة 17.5% من الراتب المحدد إلا القادرون ماليًا، فنحن نتحدث عن مبلغ شهري غير بسيط. لذلك نجد أن معدل رواتب الخاضعين للاشتراك الاختياري أعلى دائمًا من معدل الخاضعين للاشتراك الإجباري. مَن يبلغ راتبه مثلًا 300 دينار، قيمة اشتراكه الاختياري ستفوق الخمسين دينارًا شهريًا. من الذي سيدفع هذا المبلغ للاشتراك الاختياري بدل أساسيات الحياة من فواتير وغيره؟ صحيح أن عددًا من المشتركين اختياريًا، خاصة المغتربين، كانت لديهم قدرة على دفع هذه النسب، لكن هؤلاء يستطيعون أن يبحثون عن حماية اجتماعية لهم مستقبلًا بطرق مختلفة، عبر الادخار والاستثمار وغيره.
من وجهة نظر الضمان، حتى لو كانت هذه الفئة تساهم باشتراكات عالية، إلا أن المؤسسة ليست مستفيدة منهم بدرجة كبيرة، لأن النسبة الأكبر منهم تسعى لرفع الأجر الخاضع للضمان تدريجيًا في السنوات الأخيرة من الاشتراك حتى يحصلوا على راتب تقاعدي أعلى. بالتالي، هم سيستعيدون كل ما دفعوه للضمان في فترة قصيرة منذ بدء تلقيهم الراتب التقاعدي، قد تبلغ 3 أو 4 سنوات. وكلّما طالت مدة العمل، سيرتفع الراتب التقاعدي. لذا بشكل عام، الاشتراك الاختياري يوفر للقادرين استثمارًا أفضل على المدى البعيد من أي برنامج ادخاري في بنك أو شركة تأمين مثلًا. لكن طبعًا هذا ينطبق فقط على من لديه القدرة على دفع الاشتراك الاختياري لمدة قد تكون طويلة، أما من يسعى للحصول على راتب تقاعدي في أسرع وقت ولا يستطيع تحمل كلفة الاشتراك لهذه المدة، فقد ينقطع ويبحث عن خيارات أخرى.
لذلك، الضمان لن يتأثر كثيرًا إن انسحب هؤلاء، لأن رواتبهم التقاعدية مكلفة على المؤسسة. لكن حتى نكون عادلين، ليس الاشتراك الاختياري وحده هو المكلف. جميع أصحاب الرواتب العالية مكلفون بالنسبة للضمان. غير المكلفين هم أصحاب الرواتب المتدنية. فمن تبلغ رواتبهم 300 دينار وأقل، هؤلاء كانت اشتراكاتهم على طول السنين ضمن هذا المعدل. وبالتالي يستعيد هؤلاء ما دفعوه للضمان خلال فترة أطول، أي أن العبء الذي يشكّلونه على الضمان أقل بكثير من عبء أصحاب الرواتب المرتفعة.
هناك نقطة إضافية مهم أن تذكر هي معدلات الحياة. معدلات الحياة لأصحاب الرواتب المرتفعة أعلى بحوالي عشر سنوات من أصحاب الرواتب المتدنية. فأصحاب الرواتب التي تقل عن 300 دينار قد يعيشون لعمر 65 أو 66 عامًا. أما من يزيد راتبه التقاعدي عن الألف، فيمكن أن يعيش 70 أو 80 عامًا. بالتالي أصحاب الرواتب المرتفعة هم العبء الأكبر على الضمان الاجتماعي لأنه سيَصرف عليهم مبالغ أعلى لمدة أطول.
يدرك صانعو السياسات هذه المسألة، لكنهم ببساطة منحازون للأغنياء، لذلك لا تثار هذه القضية. وهذه مشكلة الضمان الاجتماعي، ففي حين أنه صمم في الأساس لمساعدة الفقراء، إلا أنهم لا يستفيدون منه بالدرجة الكافية، والتعديلات المقبلة ستضر بهم أكثر.
سبق أن كتبت حول التمييز تجاه النساء في الضمان الاجتماعي، خاصة بالنظر لتدني نسبة الحاصلات على راتب تقاعدي مقابل النسبة الأكبر ممن يتلقين تعويض الدفعة الواحدة. الآن مع رفع سن التقاعد، كيف سيبدو المشهد بالنسبة للنساء، خاصة بالنظر للصعوبات التي يواجهنها أصلًا في سوق العمل؟
المؤكد أن النساء سيلجأن للحصول على تعويض الدفعة الواحدة أكثر مما كان سابقًا، وسوف تزداد الصعوبات أمامهن في الحصول على تقاعد مبكر أو عادي. فسوق العمل لا يوفر لهن الكثير من الفرص التي تسمح لهن بالاستمرار في العمل. كما أن كثيرًا منهن يصَبن بأمراض مختلفة على عمر مبكر بالنظر لانشغالاتهن الاجتماعية إضافة لعملهن. لذلك، صحتهن بشكل عام لا تساعد على الاستمرار في العمل لفترة طويلة.
كل ذلك سيدفعهن أكثر باتجاه تعويض الدفعة الواحدة بدل الراتب التقاعدي. وإضافة إلى أن قيمة التعويض تساوي ربع مجموع الاشتراكات التي دفعنها مع استثماراتها، نعلم أنه في مجتمعنا للأسف سيكون الذكور هم المستفيدين من تعويض الدفعة الواحدة الذي تحصل عليه النساء. بالتالي هنّ من الفئات الأكثر تضررًا من مشروع التعديل. لكن طبعًا يستثنى من ذلك النساء صاحبات الدخول المرتفعة، لأن لديهن مجالًا أوسع للحفاظ على صحتهن ومزاياهن، وفي الوقت نفسه لديهن فرص عمل أكثر.
ذكرت أن لجوء عدد أكبر من الناس لتعويض الدفعة الواحدة سيكون له أثر إيجابي على المركز المالي للضمان، لكن بصورة عامة إذا أخذنا بعين الاعتبار مختلف التعديلات، كيف سيؤثر هذا المشروع ككل على استدامة الضمان؟
سيكون التأثير ملاحظًا لكن لفترة محدودة. أي أن التأثير الإيجابي على المركز المالي للضمان سيكون مؤقتًا، بقدر فترة تأخير التقاعد. لكن بعدها، ستعود الأمور لما كانت عليه لأن أعداد المتقاعدين في النهاية ستكون نفسها. بالتالي، المشكلة تأجلت لكن لم تُحل.
في كل أنظمة التقاعد العالمية، المفروض أن يكون التقاعد المبكر مصممًا ومحسوبًا له بحيث تكون فاتورته أقل من التقاعد الإجباري، أولًا من خلال كون عدد السنوات التي اشترك فيها المتقاعد مبكرًا أقل من المتقاعد إجباريًا، وثانيًا عبر نسبة الخصم من الراتب التقاعدي التي تصل إلى 18% [مما كان سيحصل عليه لو تقاعد إجباريًا]، وهذا أمر حكيم. لكن سوء استخدام الحكومة لهذا النظام أثار ضجة حول التقاعد المبكر.
الخطر المالي على الضمان الاجتماعي ليس من التقاعد المبكر، ولا من التقاعد الوجوبي على عمر الستين. الخطر المالي هو من الرواتب المرتفعة، سواء كان التقاعد مبكرًا أو وجوبيًا، وسواء كان الاشتراك اختياريًا أو إجباريًا. حاول الضمان حلّ هذه المشكلة في التعديلات السابقة على القانون، وخفّضها قليلًا لكن ليس بدرجة كافية. إذ ما يزال الجزء الأكبر من فاتورة الضمان يذهب لأصحاب الرواتب التقاعدية المرتفعة. حيث أن 20% من المتقاعدين يحصلون على 50% من قيمة الفاتورة التقاعدية للضمان، فيما يحصل 80% من المتقاعدين على النصف الآخر. وهذا يعني أن الضمان لا يوفر العدالة الكافية في توزيع الرواتب التقاعدية.
حاول الضمان تخفيف هذه المسألة بوضع سقف للأجر الخاضع للضمان، واستبدال الباقي بأنظمة ادخارية، لكن لم تُقرَ هذه الخطط. الآن هناك سقفان للأجر الخاضع للضمان، سقف يبلغ 5000 دينار للمشتركين القدامى، وهناك سقف آخر يخضع للتضخم، كان 3000 دينار ووصل 3600 دينار، لكنه سيستمر بالارتفاع مع ازدياد التضخم. هذا في وقت يبلغ فيه معدل أجور الأردنيين الخاضعة للضمان الاجتماعي بحدود 600 دينار شهريًا.
أخيرًا، بالنظر لكل ما سبق، هل تتوقع أن تُقر هذه التعديلات؟
لا أعلم حقيقةً، فالمسألة الآن في يد مجلس النواب. صحيح أن هناك ضجة كبيرة في الشارع، لكن للأسف لا يوجد فهم للأبعاد الاجتماعية والسياسية للقضية بقدر ما تناقش في إطار فردي يتعلق بالتأثر الشخصي لكل مشترك. وهذا مهما نتج عنه من اعتراضات، لن يؤدي بالضرورة إلى صرخة جماعية في ظل غياب فعالية التنظيمات السياسية والنقابية. الناس أمام أطراف منظّمة، لذا لن نستطيع مواجهة هذا التعديل كأفراد دون تحرك جماعي واعٍ.





